هل انتهت أميركا التي نعرفها؟

ليلى نقولا

منذ بدء الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية ولغاية اليوم، وبالرغم من مرور أكثر من سنة على استلام دونالد ترامب مقاليد الحُكم، إلا أن الباحث في الشؤون الأميركية يشعر وكأن الحملات الانتخابية لم تنتهِ وإن هناك أطرافاً لم تُسلّم بخسارتها بعد وتطمح إلى تغيير سريع للسلطة، بعزل دونالد ترامب أو محاكمته.

وفي الفصل المُستجدّ من هذه الحرب المُستمرة، برزت إلى الساحة السياسية والإعلامية والقضائية في الولايات المتحدة قضية "مذكّرة نيونز"، وهي مذكّرة صاغها الجمهوريون، ونشرها الكونغرس الأميركي تتّهم مكتب التحقيقات الفدرالي "إف بي آي" بالانحياز إلى الديمقراطيين في تحقيقاته المُتعلّقة بحملة الانتخابات الرئاسية عام 2016. وبناء على مواد سرّية، تشير الوثيقة إلى أن "إف بي آي" استخدم تقريراً قدّمه عميل مخابرات بريطاني، غير مُسنَد بأدلّة وبتمويل من الحزب الديمقراطي للحصول على ترخيص من المحكمة لمراقبة أحد مستشاري ترامب الذي أجرى اتصالات مع الروس. بينما يشير الديمقراطيون إلى أن هدف المذكّرة هو تقويض التحقيق الذي يُجريه المدعي الخاص روبرت مولر بشأن العلاقات بين مساعدي ترامب والروس، حيث يعتقدون أنها باتت على وشك كشف معلومات خطيرة بعدما وصل التحقيق إلى الدائرة الضيّقة المُحيطة بترامب كإبنه وصهره جارد كوشنر.

وبغضّ النظر عن وجهة نظر أيّ من الطرفين، وهل ستُخلّص هذه الوثيقة ترامب من تهمة التخابُر مع الروس أم ستلفّ الحبل حول رقبته كما يدّعي الديمقراطيون، إلا أن القضية بحد ذاتها تطرح علامات استفهام كبرى حول المؤسّسات والقِيَم الأميركية التي تُعدّ الأساس الذي بُنيَت عليه "القوّة الناعمة" الأميركية.

لطالما تغنّى الأميركيون بالقِيَم الليبرالية وحقوق الإنسان والمبادرة الفردية والنظام الرأسمالي وحرية المبادلات، وسعوا إلى إلهام الشعوب بالتسويق للحُلم الأميركي، الذي يعني لشعوب العالم الثالث؛ الحرية واحترام حقوق الإنسان، وحُكم القانون والشفافية وغيرها من القِيَم المثالية.

من هنا، وبغضّ النظر عن الهدف السياسي لنشْر الوثيقة، فإنها تطرح على بساط البحث مدى التزام المؤسّسات الأمنية الأميركية بالدستور الأميركي، وخاصة التعديل الرابع الذي حمى المواطنين الأميركيين من إمكانية التعسّف في الاعتقال والتفتيش والاحتجاز، والأهم حماية حقّهم في الخصوصية والتحرّر من التدخّلات غير المنطقية من قِبَل مؤسّسات الحكومة.

وقبلها، كانت الفضائح التي كشفها الكونغرس الأميركي حول ممارسات التعذيب التي تجري في غوانتانامو، كما الفضائح التي كشفها إدوار سنودن حول تجسّس السلطات الأميركية على المواطنين وعلى العديد من قادة دول العالم، كما كانت ويكيليكس قد فضحت الأعمال التي تقوم بها السفارات الأميركية في العالم والتي تتدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتمارس نشاطاً أبعد من النشاط التجسّسي الذي تُتّهم فيه السفارات عادةً.

زد على ذلك، الفضائح التي رافقت الحملات الانتخابية في أميركا، وقيام بعض الموظفين في الحزب الديمقراطي بتزوير مفضوح عبر إسقاط أوراق إضافية للمرشّحة هيلاري كلينتون للإطاحة بالمرشّح بارني ساندرز، غيرها.

إذاً، كل ما سبق يُشير إلى أن القوّة الناعمة المُستنِدة إلى "القِيَم الأميركية" حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحُكم القانون، باتت موضع تساؤل وشكّ، وإن الصراع السياسي في أميركا بات يشكّل خطراً على تلك القِيَم بشكل عام وعلى صورة الولايات المتحدة في العالم.

وقد تكون الأسئلة التي تتبادر إلى أذهاننا في هذا المجال:

هل ما يحصل هو الصورة الحقيقة للولايات المتحدة والتي كانت تخفيها عبر إعلام قوّي ووسائل تأثير استطاعت من خلالها أن تسيطر على العقول والقلوب، أو أن هناك انحرافاً باتت تعيشه الطبقة السياسية الأميركية؟ هل التقارير التي ينشرها الكونغرس مثل تقرير التعذيب في غوانتامو ووثيقة نيونز وغيرها هي دليل على أن القِيَم الأميركية في احترام القانون والمُساءلة والمحاسبة هي قِيَم راسخة في المجتمع بدليل عدم قدرة ممارسيها على التهرّب من مسؤولياتهم؟ وأخيراً، أليس من المُستغرَب أن يقوم الليبراليون في أميركا والعالم، ودُعاة احترام حقوق الإنسان، بالدفاع عن تسييس يشوب عمل "أف بي أي"، بينما يعيبون على استخبارات دول أخرى قيامها بتسييس التحقيقات وترهيب المواطنين؟.

بالنتيجة، ستتباين الإجابات على الأسئلة السابقة بحسب خلفيّة المُجيب، ولكن يبقى الأكيد أنه من الصعب على الديمقراطيين الإطاحة بترامب بعد هذا الجدل، إذ أن أجنحة وازِنة في الدولة العميقة باتت مُستفيدة من سياساته مثال وال ستريت والبنتاغون وشركات النفط الصخري، ومناصريه المُدجّجين بالسلاح جاهزين للنزول إلى الشارع، والاقتصاد الأميركي في تحسّن مستمر، والأهم أن الجمهوريين لن يتخلّوا عنه بسهولة.