الحوار بين السوريين نجح في سوتشي...فهل تنجح المفاوضات في جنيف؟

د. عصام نعمان

تمكّنت موسكو ، رغم كل العقبات التي وضعها في طريقها بعض الخصوم والاصدقاء، من إنجاح "مؤتمر سوتشي للحوار الوطني" بين مختلف الجماعات السورية العاملة في الداخل اوالناشطة في الخارج. امرٌ لافت بلا شك ان يحتشد في المنتجع الروسي الاشهر اكثر من 1500 شخص يمثلون مختلف الاحزاب والطوائف والاعراق والتكتلات والمنصّات والعشائر فضلاً عن الشخصيات المستقلة لمدة يوم واحد من اجل التقارب والتحاور والتوافق على خطوطٍ عريضة لورقة عملٍ يعتزمون مناقشتها لاحقاً في مؤتمر جنيف القادم .

ابرزالخصوم ، اميركا وبريطانيا وفرنسا ، قاطعت المؤتمر وشددت على ان مؤتمر جنيف وحده هو المرجع الصالح للبحث في تسوية الأزمة السورية . ابرز الاصدقاء ، تركيا ، شاركت بوفد مراقب ، لكنها حرّضت السوريين المعارضين المتواجدين في ديارها او في صفوف المتمردين العسكريين قرب حدودها على عدم المشاركة في المؤتمر رغم انتقالهم الى سوتشي. السبب؟ لأن شعار المؤتمر في قاعته الكبرى يحمل العلم السوري! اعضاء منصة المعارضة المتواجدين في الرياض قاطعوا ايضاً بدعوى إنحياز ورقة العمل المعروضة على المؤتمر الى الحكومة السورية.

السوريون المؤتمرون تمكّنوا من التوافق على خطوط رئيسة تؤكد على وحدة سوريا ، أرضاً وشعباً ، وعدم التنازل عن اي جزء منها ، وعلى استعادة الجولان المحتل بكل الوسائل القانونية، وحق شعب سوريا المطلق بتقرير مستقبله ومضمون نظامه السياسي ، وعلى إقامة دولة ديمقراطية غير طائفية وتعددية تحترم قاعدة المواطنية المتساوية. الى ذلك ، عَهَد المؤتمر الى ممثل الامين العام للأمم المتحدة المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا مهمة تحديد شكل وتكوين اللجنة الدستورية المختصة بمسائل الاصلاحات الدستورية التي سيجري بحثها وصوغها في مؤتمر جنيف. فهل يضفي تكليفه بقيادة اللجنة الدستورية الشرعية الأممية اللازمة لإنجاح مفاوضات جنيف ؟

بالتزامن مع إنعقاد مؤتمر سوتشي ، أصدرت اميركا "قائمة عقوبات الكرملين" التي تضم اسماء اكثر من 210 مسؤولاً ورجل اعمال روسياً ، بينهم 22 وزيراً ، في مقدمهم رئيس الوزراء مدفيديف ، ووزير الخارجية لافروف ، ووزير الدفاع شويغو ، ورئيس ديوان الرئاسة الروسية والناطق بإسمها بيسكوف ، ورجال اعمال واقطاب صناعيين ، ورئيس مجلس حقوق الانسان وغيرهم . كل هؤلاء وُضعوا على قائمة عقوبات لا سابق لها في تاريخ العلاقات الدولية ، ولم ينجُ منها إلاّ الرئيس فلاديمير بوتن الذي علّق عليها ساخراً : "أشعر بالمهانة لأن إسمي لم يرد فيها"!

ما سرُّ هذه القائمة العجيبة الغريبة ؟

ثمة تفسيرات متعددة في هذا المجال :

قيل إنها محاولة اميركية لتشويه سمعة كبار القادة الروس والتقليل من مكانتهم في الاوساط الدولية بغية إضعاف نفوذ روسيا.
بعض المحللين السياسيين ذهبوا الى أبعد من ذلك . قالوا إنها مبادرة هجومية اميركية لزعزعة روسيا سياسياً واقتصادياً .
غير ان فريقاً من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والاعلاميين البارزين فسروا الخطوة غير المسبوقة بأنها محاولة بائسة من الرئيس ترامب واعضاء الكونغرس الجمهوريين للمزايدة على خصومهم الذين كانوا اتهموا ترامب واركان حملته الإنتخابية بالإتصال بالمسؤولين الروس للتدخل في الإنتخابات الرئاسية على نحوٍ يُضعف منافسته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
آخرون قالوا إنها محاولة اميركية لتحويل الأنظار عن مؤتمر سوتشي وسرقة أضواء نجاحه من روسيا.
سخر خصوم ترامب والديمقراطيون من الخطوة العجيبة الغريبة مذكرّين بالكاريكاتور الذي ظهر في صحيفة "نيويورك تايمز" صباح2018/1/27وفيه رسم لترامب في مؤتمر دافوس تحت صورة كبيرة عليها شعاره الاثير "اميركا اولاً " ، يخاطب بعنجهية الحاضرين من كبار قادة الدول والمسؤولين ورجال الاعمال والصناعيين في الغرب بقوله : "يا بقية العالم ... أنتم مطرودون"!

ما آثار قائمة العقوبات وتداعياتها على روسيا وقادتها ؟

تتوقف الاجوبة على هوية مصادرها . بعض الاميركيين ، من مؤيدي ترامب ، يعتبرونها "ضربة معلم " تعزز صورته ومكانته كرئيس دولة قوي في عالم يحب القادة الاقوياء . آخرون من اصدقائه قدّروا ان من شأن هذه المبادرة الصاعقة ان تعزّز حظوظ المرشحين الجمهوريين في الإنتخابات النصفية المقبلة مطالع شهر نوفمبر القادم ، كما من شأنها تعزيز حظوظ ترامب في ولاية رئاسية ثانية.

مسؤولون اعلاميون روس قلّلوا من تأثير القائمة غير المسبوقة . بعضهم قال إنها لا تنطوي على عقوبات محددة ضد القادة والمسؤولين الروس بل تنذرهم وترشحهم لفرض عقوبات عليهم اذا ما تعرضوا بالسؤ لمصالح اميركا. بعضهم الآخر دعوا الى شكر اميركا على فعلتها تلك. قالوا إنها ستحمل رجال الاعمال والصناعيين الروس الذين لديهم اعمال واموال في الخارج على العودة الى روسيا مخافة ان يتعرضوا الى عقوبات في دول اميركا واوروبا.

المهم ألاّ تتطور هذه الحرب الباردة الآخذة في الإتساع الى حرب ساخنة بين اميركا وروسيا.