حل سوريا إلى سوتشي.. وأعين الجميع على تركيا

مراد الحاج

تكمن المشكلة المؤخرة لتلبور الحل السوري في شكله النهائي في كون الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها السعودية لم تجدا حتى اللحظة مدخلهما إلى مستقبل سوريا، فمعطيات الميدان أعطت محور المقاومة ومعه روسيا وتركيا أحقية رسم الخطوط العريضة لسيناريو النهاية، مع بقاء مراهنات أميركية على "قسد"، لم تفلح حتى اللحظة بثني أردوغان عن الذهاب أكثر باتجاه موسكو وطهران.

قبيل الجولة الحالية من مفاوضات جنيف السورية، صعّدت المملكة العربية السعودية من مستوى التوتّر في خطابها تجاه سوريا وإيران، وتوازى مع هذا الموقف عودة "معارضة الرياض" إلى نغمة رحيل الرئيس السوري بشّار الأسد كشرط للحل.

في المقابل، كانت مسارات التفاهم بين روسيا وتركيا وإيران تفتح الواحد تلو الآخر، في مؤشّر يدعو إلى الإيمان بقرب نهاية المأساة السورية المستمرة منذ سنوات.

لكن هذين المُعطيين المتناقضين في الشكل، وبقوة المستجدات الحالية في جنيف من جهة، وبما تضمّنه اتصال ترامب-أردوغان من جهة ثانية، يفضيان إلى النتيجة نفسها. الحاجة إلى المزيد من الوقت لإقفال باب الأزمة والانطلاق إلى مرحلة تنفيذ الاتفاقات المُنتظرة، وخصوصاً ما يتعلّق بإعادة إعمار سوريا.

وتكمن المشكلة المؤخرة لتلبور الحل السوري في شكله النهائي في كون الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها السعودية لم تجدا حتى اللحظة مدخلهما إلى مستقبل سوريا، فمعطيات الميدان أعطت محور المقاومة ومعه روسيا وتركيا أحقية رسم الخطوط العريضة لسيناريو النهاية، مع بقاء مراهنات أميركية على "قسد"، لم تفلح حتى اللحظة بثني أردوغان عن الذهاب أكثر باتجاه موسكو وطهران.

ويعمل الطرفان الأميركي والسعودي كل بأدواته لمنع الوصول إلى حلٍ بين الحكومة السورية والمعارضة في الوقت الراهن، وإلى تأجيل ذلك بعض الوقت، ريثما تتمكنان من الاستفادة من أوراق الضغط وألعاب الإخضاع التي يمارسونها ضد أردوغان، خصوصاً وأن كسب الوقت يساعدهما في حشره في زاوية نفاد الوقت قبل الانتخابات التي تنتظره عام 2019، ما يجعل من كل ضغط عليه، عامل كبح لمسار تطوّر علاقاته بموسكو وطهران.

وفي هذا السياق، أنكر البنتاغون بسرعة التزام ترامب بوقف المساعدات العسكرية الأميركية لـ"قسد"، بعد أن كان أردوغان يراهن على إقناع ترامب بالتخلّي عن ورقة الكرد، كمدخل له إلى الحل. وهذا يدل على أن الأميركيين مستمرون في استخدام "فزّاعة" الكرد بوجه أردوغان، كما بوجه الحكومة السورية وحلفائها. خصوصاً بعد سقوط "الفزّاعات" الأخرى عبر سنوات الحرب، وآخرها "داعش".

ولا يعود مستغرباً في هذا المجال عودة الحديث بقوّة في الداخل التركي عن تورّط أردوغان ومساعديه وأقربائه بملفات فساد، وقد فتحت هذه الملفات دفعةً واحدة في خلال الأسبوع الحالي، في ما يشبه الأجواء التي سادت قبل محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرّض لها قبل سنتين.

ولكن هنا يجب الانتباه إلى تفصيلٍ بالغ الأهمية، وهو أن الضغط الأميركي على أردوغان لا يرتبط بالضرورة بإرادة ترامب ونظرته الجديدة إلى المنطقة، بل أعمق من ذلك فهو ضغط من "المؤسّسة" أو "الإدارة العميقة" في واشنطن، وأنه لا يستهدف أردوغان كحالةٍ سياسية، بقدر ما يستهدف استعادة تركيا من يد بوتين التي اتهمت قبل ذلك بالإمساك برقبة ترامب نفسه. إذن وفق هذا المنطق، يصبح الموقف المراد لأردوغان أمام الداخل التركي مشابهاً للموقف الذي وضع فيه ترامب أمام الشعب الأميركي، أثناء حملته الانتخابية، وحتى اليوم. فلا يكفي أن ينفّذ سياسةً خارجيةً مناسبةً لبلاده، بل إنه يجب أن يستسلم لمصالح الصنّاع التاريخيين للسياسة الاقتصادية الأميركية المُتنكّرة بثياب الدبلوماسية الأميركية.

وفي حين أن أردوغان ينكر بصورةٍ مستمرة انتهاكه للعقوبات الأميركية على إيران، في مسعى لعدم إغضاب الأميركيين، مثلما نقلت عنه قناة "سي.إن.إن ترك" التلفزيونية الخاصة، وأن بلاده "فعلت الصواب بغضّ النظر عن نتائج القضية السارية في الولايات المتحدة". ويستغل الموقف الأميركي في سبيل تحصيل المزيد من المكاسب من علاقاته مع روسيا وإيران، فإنه في المقابل يقول "إن العالم ليس فقط أميركا"، وأن لبلاده مصالح مع إيران كما يوجد مصالح للآخرين معها، خصوصاً الأوروبيين الذين يعبّرون عن هذه المصالح بصورةٍ أساسية في رفض الإرادة الأميركية بإعادة فتح الملف النووي والتفاوض حوله مجدّداً من ناحية، ومن ناحية أخرى من خلال الشركات الأوروبية التي سال لعابها على السوق الإيرانية بعد توقيع الاتفاق النووي.

ويتركّز الجهد الأميركي على إحراج أردوغان لتطويعه، على قضية تاجر الذهب التركي-الإيراني رضا ضراب الذي اتهمته محكمة أميركية الأربعاء الفائت بإدارة مخطّط دولي واسع النطاق لغسل الأموال بهدف مساعدة إيران على تجنّب العقوبات الأميركية، وصرف إيراداتها من النفط والغاز في الخارج.

لكن لماذا تركيا هي الساحة التي يتم التركيز عليها؟ وهنا يجب أن نستعيد الخيارات الأميركية في سوريا، فالمراهنة على الجيش الحر سقطت في بداية الأزمة مع انهيار مسلّحي حمص، ثم سقطت المراهنة على جبهة النصرة والمتعاونين معها مع انهيارهم في الشمال السوري وفي محيط العاصمة، توازياً مع انهيار قطر أمام الانتصارات التي حقّقتها سوريا وحلفائها. ثم في نهاية المطاف سقطت داعش في سوريا، وقاد الجهد العراقي الإيراني المشترك إلى سقوط آخر آمال واشنطن باستغلال وجود داعش في العراق، بالقضاء عليها هناك وتلاقي الجيشان السوري والعراقي على الحدود المشتركة بينهما. حينها لم يبق منفذ للأميركيين سوى تركيا، ثم جاءت التفاهمات الروسية-الإيرانية-التركية لتقفل هذا المنفذ، بناءً على القلق التركي من كرد سوريا. وبين هذا وذاك، لا بد من التنبّه للضربة القوية التي تعرّضت لها رهانات الأميركيين على الكرد، من خلال انكسار مشروع الانفصال الكردي في شمال العراق.