جذور السيطرة الأميركيّة على العالم المصير الجــليّ»

أسعد أبو خليل

جذور السيطرة الأميركيّة على العالم المصير الجــليّ»


لم يكتفِ البيض بقتل السكّان الأصليّين بل اعتبروا أن حرقهم هو إرادة إلهيّة (أ ف ب)
أسعد أبو خليل
مرَّ خبرٌ عاديٌّ قبل أيّام في صحف العالم: «قوّات أميركيّة في دولة النيجر في إفريقيا تعرّضت لكمين أدّى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيّين». لم يكترث الرأي العام الأميركي للخبر، ولم يكترث الإعلام لشرح طبيعة المهمّة العسكريّة الأميركيّة في النيجر. باتت القوّات الأميركيّة منتشرة في معظم أنحاء أفريقيا، وقد أنشات القوّات المسلّحة الأميركيّة «القيادة الأفريقيّة» في عام 2007 لتعزيز السيطرة الأميركيّة في قارة لم تقع بالكامل تحت نفوذها كما قارات أخرى. قبل ذلك كانت العمليّات العسكريّة الأميركيّة في إفريقيا منوطة بقيادات مناطق أخرى في العالم.
والإعلان عن إنشاء القيادة المذكورة ترافقَ، كالعادة، بكلام معسول عن «المساعدات الإنسانيّة»، كما حظيت منظمّة «الشباب» الصومالية بعناية خاصّة كهدف من أهداف القوى الأميركيّة. وعملُ «قيادة أفريقيا» في القوّات المسلّحة الأميركيّة يغطّي كل الدول الأفريقيّة، باستثناء مصر لأن عمل القوّات الأميركيّة فيها يقع ضمن اختصاص القيادة «الوسطى». وقد اتسع نطاق عمل القوّات الأميركيّة في إفريقيا، كما كشفت وثيقة حصل عليها موقع «فايس» في أيار 2017. وبينما كانت التقديرات المتحفّظة عن عدد العمليّات العسكريّة السريّة للقوّات الأميركيّة الخاصّة — على أنواعها — حول العالم بـ 116 عمليّة في أي لحظة من اليوم، فإن تقدير عدد العمليّات السريّة للقوّات الأميركيّة الخاصّة في أفريقيا وحدها هو 100 عمليّة في أي لحظة من اليوم. وكانت نسبة عدد قوّات الكوماندوس الأميركيّة في إفريقيا تصل في عام 2006 إلى 1? فقط من مجمل قوّات الكوماندوس الأميركيّة في العالم، وزادت النسبة إلى أكثر من 17? اليوم. ويقول الموقع المذكور إن عدد قوّات الكوماندوس الأميركيّة في إفريقيا هو الأكبر مقارنة بكلّ المناطق الأخرى في العالم — باستثناء الشرق الأوسط، حيث تترّكز العمليّات العسكريّة الأميركيّة السريّة (والعلنيّة على حدّ سواء). وليس من المفارقات أنّ تنامي العمليّات السريّة الأميركيّة، أو الحروب عبر التحكّم عن بعد، ازداد في إفريقيا في عهد أوّل رئيس ذي أصول إفريقيّة. كان هو من أنصار هذا النوع من الحروب لأنه ذو كلفة سياسيّة أقل (ولو كان ذا كلفة بشريّة كبيرة للأعداء الملوّنين).
لكن الخبر العادي المذكور أعلاه عن الكمين الذي تعرّضت له القوّات الأميركيّة في دولة النيجر، يتضمّن معلومة مهمّة: إن القوّات تلك كانت من «ذوي القبعات الخضر»، أي تلك التي تقوم بمهام العمليّات العسكريّة السريّة الخاصّة، بالرغم من أن البيان الرسمي لـ«قيادة أفريقيا» يتحدّث عن وجود القوّات الأميركيّة في إفريقيا تحت العنوان المعهود: بأن القوّات الأميركيّة في النيجر موجودة من أجل «توفير التدريب والمساعدة الأمنيّة» للقوات المسلّحة النيجريّة. وتحصي الحكومة الأميركيّة نحو 50 منظمّة إرهابيّة تتولّى هي، بالنيابة عن الإنسانيّة وعن الإرادة الإلهيّة، محاربتها في أكثر من 23 دولة إفريقيّة.

يعتمد المؤرّخون حسابات مخفّفة وانتقائيّة في تعداد ضحايا جرائم دول الغرب

لم تتغيّر أميركا بالرغم من النظرة المثالية التي ينظر إليها الكثير من العرب. كانت المحاججة العربيّة في أميركا، الرسميّة وغير الرسميّة، تتحدّث دوماً عن ضرورة التناسق بين السياسة الداخليّة الأميركيّة والسياسة الخارجيّة. أي أن السياسة الداخليّة مبنيّة — حسب النظرة العربيّة — على العدل والديموقراطيّة فيما السياسة الخارجيّة مبنيّة على الجوْر والقهر. ولا ينسى العربي، عندما كانت هناك مناشدة عربيّة من أجل تحقيق ما سُمِّي ذات يوم بالتوازن في السياسة الأميركيّة نحو الصراع العربي - الإسرائيلي، بأن يذكِّر بموقف أيزنهاور في العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 عندما أجبر العدوّ الإسرائيلي على الانسحاب من الأراضي المصريّة المحتلّة. حتى الإعلام الناصري كان يذكِّر بذلك رغبة في عودة أميركا إلى صوابها. لكن حسابات أيزنهاور كانت غير ما سجلّها العرب له.
تحاول أميركا أن تفصل بين تاريخها وبين حاضرها، وبين تاريخ الاستعمار الغربي الطويل. هي ترى نفسها في صورة البراءة القصوى. ولأن النخبة الحاكمة (كبار الملاك والتجّار المتحالفون مع المُستعبِدين الأثرياء في الجنوب) في المستعمرات البريطانيّة السابقة في أميركا ثارت ضد الاستعمار البريطاني، فإن النظرة الأميركيّة الذاتيّة نزعت عن حروبها وسياساتها صفة الاستعمار: وصفة الإمبرياليّة أو الإمبراطوريّة تصيب الأميركي بالنفور الشديد. والحكومة الأميركيّة في تعاطيها مع العرب عبر العقود أصرّت على أنها براء من تركة الاستعمار الأوروبي في بلادنا. لكن هذه النظرة تختلف مع الواقع، ومع تاريخ الاستعمار الأميركي — الداخلي والخارجي. تعامل المستعمرون البيض مع السكّان الأصليّين كما تعامل المستعمرون الأوروبيّون مع سكّان إفريقيا وآسيا. تناقص عدد السكّان الأصليّين بسرعة مذهلة: بعض المجموعات السكّانية والقبائل فقدت 90? من أبنائها وبناتها. لم يوفّر المُستعمرون طريقة وحشيّة: لكن تعريض السكّان الأصليّين لفيروسات الجدري والحصبة وغيرها من الأمراض والتي لم يكن للسكّان الأصليّين أية مناعة ضدّها، ساهمت بصورة كبيرة في تخفيض عدد السكّان الأصليّين. والذين لم تفتك بهم الأمراض التي زرعها بينهم البيض، ماتوا بالمجازر والتجويع والحرق. والمؤرّخون الغربيّون يتساهلون كثيراً في تعداد «ضحايا» النظاميْن السوفياتي والصيني (الماوي)، لكنهم يعتمدون حسابات مخفّفة وانتقائيّة في تعداد ضحايا جرائم دول الغرب. ينجو من الحساب الأميركي كل مَن مات نتيجة الحصار والتجويع في حروب الرجل الأبيض (تعمد الإمبراطوريّة الأميركيّة إلى التلاعب نفسه بالحسابات في تبرئة نفسها من قتل نحو مليون عراقي في غزوة 2003).
لم يكتفِ البيض بقتل السكّان الأصليّين بالميكروبات والسلاح المتطوّر، بل هم اعتبروا أن حرقهم (كما جرى في بلدة «بيكو» في عام 1637، عندما أحرق المهاجمون البيض كل سكّان البلدة البالغ عددهم نحو 400) في «فرن الغضب (الإلهي)» هو إرادة إلهيّة1.
كانت ذرائع الحروب والحملات العسكريّة الأميركيّة دوماً مزيجاً من لغو عن الدين وعن الحريّة (بالتعريف الأميركي الخاص). وسهلَ على الرجل الأبيض، في أوروبا كما في أميركا، تسويغ الاستعباد والاستعمار: المُستعمَرون هم وحوش. حاكم ولاية جورجيا أكّد في القرن التاسع عشر أن كل ما يملكه السكّان الأصليّون يحق للبيض الاستيلاء عليه لأنهم جهلاء ووحوش2.
لكن الرئيس أندرو جاكسون (وهو المثل الأعلى بين الرؤساء التاريخيّين عند دونالد ترامب وتتصدّر صورته المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في العهد الجديد) عبّر بدقّة عن موقف البيض من جرائم طرد السكّان الأصليّين وقتلهم كلّهم إن أمكن: إن وحشيّة البيض ضد السكّان الأصليّين هي «ليس فقط سياسة ليبراليّة بل سخيّة»3.
ويمكن الإشارة إلى عدد السكّان الأصليّين في كاليفورنيا للتدليل على حجم الجرائم ضدّهم: كان عددهم في عام 1848 نحو مئة ألف. وبحلول القرن العشرين، لم يبقَ منهم إلّا 15000. ولم يكتفِ البيض بالإبادة: بل كانوا يعقدون اتفاقيّات سلام واحترام حدود مع السكّان الأصليّين، لكن كان يسهل عليهم خرق اتفاقيّاتهم ونبذها عندما يريدون، أو كانوا يعمدون لتحكيم السلطات البيضاء للفصل في النزاعات، وكان التحكيم لصالح البيض دوماً. وحاول السكّان الأصليّون الاستعانة بسياسة خارجيّة عبر التحالف مع بريطانيا أو فرنسا، لكن الدولتيْن كانتا تخذلانهم بسهولة. لا نعلم العدد بالتحديد، لكن من الأكيد أن ملايين منهم أبيدوا من قبل المستوطنين البيض. والتعامل الأبيض مع السكّان الأصليّين كان ولا يزال دليلاً للتعامل مع الشعوب التي تعرّضت للغزو والاستعمار من قبل أميركا عبر التاريخ.
إن سياسة «المصير الجليّ » («مَنِفِست دستيني» بالإنكليزيّة) هو مقياس التعامل الأميركي مع الشعوب الملوّنة حول الأرض. اجترح هذا المصطلح الصحافي الأميركي، جون أوسليفون، في مقالة في مجلّة ديموقراطيّة كان يحرّرها4. عام 1845، أصبح المصطلح اسماً لعقيدة السياسة الداخليّة والخارجيّة على حد سواء. في مقالته، استعملها أوسليفون لتأييد السيطرة الأميركيّة (البيضاء) على ولاية تكساس. والاستيلاء على تكساس كان عند أوسليفون «تحقيقاً لمصيرنا الجليّ للانتشار بشكل واسع في القارّة الممنوحة من القدر لتنمية ملاييننا المتضاعفة سنويّاً»5.
وعاد الكاتب وكرّر المصطلح نفسه لدعم الاستيلاء على ولاية أوريغون، وقال إن ذلك من ضرورات «التجربة العظيمة للحريّة والحكم الذاتي المُفَدرَل والممنوح لنا». وكان تعبير القدر («بروفدنس»، بالإنكليزيّة، يُستعمل في إشارة لله في القرنيْن الثامن والتاسع عشر). وأصبح المصطلح هذا رسميّاً بعدما اعتنقه الرئيس الأميركي، جيمس بولك، في الأربعينيات من القرن التاسع عشر. وللمصطلح مضمون عنصري لا جدال فيه: أصبحت الولادة الأميركيّة بداية لتاريخ جديد، وإعلاناً عن عرق «انكلوسكسوني» جديد، كما وصفه سام هيوستن بعد معركة «استقلال» ولاية تكساس. ومفهوم «المصير الجليّ» اكتسب مبكّراً صفة التفوّق العنصري، بزيادة منسوب الثقة بالنفس الذي طبع تجربة البيض في إنشاء صفاء عرقي انجلو سكسوني خاص6.
لم تكن السياسات الأميركيّة الداخليّة بعيدة عن تقرير السياسات الخارجيّة ومصائر شعوب ملوّنة حول العالم. الإيمان بالدور الريادي والقيادي الفريد للجمهوريّة الأميركيّة كان عميقاً لدى كل أطراف الحكم في التاريخ الأميركي.

العلاقة بين إخضاع
السكّان الأصليّين ونشر الاستعمار كانت مترابطة
أما ما يُسمّى بـ«النزعات الانعزاليّة» في السياسة الخارجيّة الأميركيّة فهذه تعرّضت لسوء فهم حول العالم، خصوصاً في عالمنا العربي. الانعزاليّة في السياسة الخارجيّة الأميركيّة لم تعنِ يوماً الانكفاء عن التدخّل الأميركي في شؤون الدول الأخرى، أو عدم نشر قوّات أميركيّة في بقع مختلفة من العالم. كان لها معنى محدّد يتعلّق بالابتعاد عن مشاكل القارة الأوروبيّة. ترك جورج واشنطن تحذيراً بهذا المعنى عندما أوصى بانتهاج «حالة نأي وابتعاد» عن مشاكل القارة. لكن هذا المبدأ لم يعنِ يوماً احترام التوسّع والتدخّل الأوروبي على حساب المصالح الأميركيّة. وعقيدة «مونرو» (المسّماة نسبة للرئيس جيمس مونرو) تتعلّق بموقف الدول الأوروبيّة من الحالة السياسيّة في أميركا الشمالية والجنوبيّة. للعقيدة تفسيران مختلفان: التفسير الذي درج رسميّاً (منذ عام 1933) لجأ إلى الخداع عبر الزعم أن الحكومة الأميركيّة ترفض التدخّل الخارجي في شؤون القارة الأميركيّة، وأنها تدعم استقلال دول أميركا اللاتينيّة. لكن التفسير الأصوب هو أن الحكومة الأميركيّة رفضت أن تحاول الدول الأوروبيّة توسيع نطاق نفوذها على حساب الشهيّة الأميركيّة لمدّ النفوذ والسيطرة في كل القارة الأميركيّة. إن عقيدة «مونرو» هي في جانب منها تفسير عقيدة الانعزاليّة بأنها منفصلة عن التدخّل والهيمنة الأميركيّة في شؤون القارة الأميركيّة. اعتبرت الحكومة الأميركيّة في عقيدة «مونرو» أن التدخّل الأوروبي في أميركا اللاتينيّة هو عمل «غير ودود» نحو أميركا.
لكن التعريف الأميركي لعقيدة «مونرو» اكتسب أبعاداً عسكريّة بعد الحرب الأهليّة الأميركيّة عندما قاومت القوّات الأميركيّة الوجود الفرنسي في المكسيك. وفي عام 1895، بعدما عارضت الحكومة الأميركيّة موقف بريطانيا من نزاع حدودي في فنزويلا، أعلن وزير الخارجيّة الأميركي أنه «ابتداء من اليوم إن أميركا هي عمليّاً ذات سيادة في (كل) هذه القارة»7.
وفي مطلع القرن العشرين، تنامى الإعجاب الأميركي (بشخص الرئيس مكنلي) بتجارب الاستعمار الأوروبي. وفي هذه الحقبة التاريخيّة، زاد الارتباط الأميركي الرسمي والشعبي (عبر منظمّات الصداقة بين الشعبيْن، مثل «الرابطة الأنجلو-أميركيّة») مع بريطانيا وإرثها الاستعماري من الصين إلى ما بعد. لم تعد أميركا تتعامل مع التاريخ البريطاني بنفور. على العكس، أصبح ذلك التاريخ بوصلة نحو مستقبل أميركي فاعل واستعماري. وعبر السناتور ألبرت بفردج عن ذلك التناغم بين التاريخ البريطاني وبين المستقبل الأميركي عندما قال عن أميركا إنها «بريطانيا عظمى مع مصير أكثر توهجّاً». الاستعمار الأميركي لكوبا كان التطبيق العملي لهذا الاسترشاد بالاستعمار البريطاني. الحاكم الأميركي للجزيرة قال يومها عن المهمّة التحضيريّة للاستعمار الجديد إنه: «يمسك بعرقٍ لم يتوقّف عن الانحدار على مدى قرن من الزمن وضخ حياة جديدة فيه»8.
أما الاستعمار الأميركي للفيليبين في آخر القرن التاسع عشر، فكان ذا مهمة مماثلة. حمل هذا الاستعمار على كاهله مهمّة تحويل «شعب بلاستيكي» إلى جمهوريّات. والرئيس ولسون، الذي ارتبط اسمه في بلادنا بحق تقرير المصير، أثنى على مساعدة «الشعوب غير النامية، الذين لا يزالون في طفولة نموّهم السياسي». ولا يختلف الخطاب الأميركي عن الشعب الكوبي أو الفيليبيني عن الخطاب الأميركي في القرن الواحد والعشرين عن الشعوب العربيّة والإسلاميّة وعن نشر الحريّة. الرئيس ثيودور روزفلت وصف استعمار كوبا بأنه حملة «من أجل تحرير البرابرة من قيودهم» وأن «تحطيم البربريّة» هو ضرورة (لهم). أما عن استعمار الفيليبين، فقد وصفه روزفلت (بعدما أصبح رئيساً) بأنه «انتصار للحضارة على الفوضى السوداء للوحشيّة والبربريّة»9.
والعلاقة بين إخضاع السكّان الأصليّين في أميركا وبين نشر الاستعمار الأميركي كانت مترابطةً. والجنرالات الذين حكموا وسادوا وأخضعوا شعب الفيليبين كانوا في أكثرهم من الولايات الغربيّة وذوي خبرة في إخضاع قبائل السكّان الأصليّين. وابتدع الأميركيّون بسرعة حججاً وذرائع في دعم نشر الاستعمار الأميركي في الفيليبين والصين وكوبا بعناوين مختلفة: من فوائد جمع الشعب الأميركي (أي البيض الذكور الذين عانوا من الفرقة بعد حرب أهليّة مدمّرة) إلى فتح الأسواق العالميّة أمام البضائع الأميركيّة إلى حماية الأمن القومي الأميركي (وحجّة حماية الأمن القومي الأميركي ستكرّر على مدى حروب القرن العشرين والواحد والعشرين، خصوصاً في مرحلة «الحرب على الإرهاب» (وحتى في مرحلة «الحرب ضد البرابرة» كان الدفاع عن حق حريّة التجارة للسفن الأميركيّة الحجّة الرسميّة، مع أن جيفرسون استعان بخطاب لوم القرآن إذ أنه روى أن سفير طرابلس الغرب شرح أسباب النزاع مع السفن الأميركيّة بالقول إنه «مكتوب في القرآن أن كل البلدان التي لا تؤمن بنبوّة محمد هي واقعة في الخطيئة»10.
واستعمار الفيليبين زعزع الثقة الأميركيّة الذاتيّة بأحقيّة مهمتها الأخلاقيّة والإلهيّة. فقراء الفيليبين على ضعف إمكانيّاتهم ومواردهم، شكّلوا مقاومة وطنيّة ضد الغزاة الأميركيّين. واستعان الغزاة البيض بقاموس استبعادهم للسود ووصفوا شعب الفيليبين بلقب التحقير نفسه الذي أطلقوه على السود. لم يعترض الكونغرس الأميركي يومها على وسائل التعذيب والوحشيّة التي لجأت إليها القوّات الأميركيّة. مكمن الاعتراض تركّز على الكلفة الباهظة (ماليّاً) للاستعمار. بدأ الاستعمار الأميركي باستعمال مصطلحات نظيفة وتقنيّة للاحتلال والقتل على نطاق واسع: دخل مصطلح
الإخضاع» إلى اللغة الرسمية، ووسم الأعمال الحربيّة الأميركّية مذّاك11.»
كم قتل الأميركيّون من الفيليبينيّين؟ كالعادة، لا تعترف الحكومة الأميركيّة رسميّاً بعدد ضحاياها. هي تحتفظ سرّاً بتقديرات عسكريّة لعدد ضحاياها، لكنّها لا تعلنها على الملأ. لديها أرقام دقيقة عن عدد قتلاها: 4234 جندياً أميركيّاً. لكن التقديرات حول الضحايا من الشعب الفيليبّيني تختلف كثيراً. مات على الأقل 20,000 فيليبيني بالنيران الأميركيّة، كما أن أكثر من 200,000 ماتوا جراء المجاعة التي تسبّبت بها الحرب. لكن تقديرات جديدة تعتبر أن رقم الضحايا من الفيليبينيّين هو أعلى بكثير: لأن نحو ثلاثة أرباع المليون من شعب الفيليبين البالغ تعداده يومها سبعة ملايين (أو ثمانية في تقديرات أخرى) مات بين سنوات 1899 و1903، وهذه النسبة أعلى بكثير من نسبة الوفيّات العاديّة12.
كانت الحرب لاستعمار الفيليبين تحضيراً أوّلياً للحرب الأميركيّة الوحشيّة في فيتنام. التوسّع الأميركي في الغرب الأميركي فتح شهيّة الدولة على الاستعمار. الحرب في الفيليبين كانت يُفترض أن تكون سهلة وسلسة. الرئيس الأميركي أطلق عليها اسماً رسميّاً: «الاندماج الخيري». كان التوسّع الأميركي خارج الحدود الأميركيّة امتداداً للتوسّع الأميركي الديموقراطي في الغرب الأميركي. وتقبّل الشعب الأميركي الحرب تلك كما تقبّل حروب البيض ضد السكّان الأصليّين. وحروب الاستعمار، كما فرض السيطرة الاقتصاديّة الأميركيّة، كانا متلازميْن في التاريخ الأميركي. الاستعمار الرسمي والاستعمار الأميركي غير الرسمي — حتى لا نتحدّث عن الرسمي كما في حرب «الاندماج الخيري» — هو نمط أميركي مميّز من السيطرة التي تعرف كيف تسوّق لنفسها، لا بل كيف تصبح سيطرتها عقيدة معتنقة من قبل بعض المُستعمَرين. وكبار أصحاب المال في أميركا من الذين عارضوا الحروب الأميركيّة في مطلع القرن العشرين، مثل أندرو كارنيجي13، نظّروا لفكرة حتميّة وضع العالم تحت السيطرة الأميركيّة بواسطة القوة الاقتصاديّة ومن دون الحاجة «لأعباء الغزو العسكري والإدارة الاستعماريّة»14.
كانت أميركا تهدف مبكّراً لوراثة الاستعمار البريطاني، وكانت هناك دعوات ملحّة للبدء بعمليّة بناء القوّة العسكريّة العالميّة. رصد الكونغرس الأميركي المال لإنشاء البحريّة الأميركيّة العالميّة في عام 1883، وتأسسّت كليّة البحريّة بعد عام من ذلك. ليس التاريخ الأميركي على البراءة التي يقرأها الكثير من العرب عنه. ولم تكن السياسات والحروب الأميركيّة الخارجيّة منفصلة عن حروب الداخل ذات المنحى العرقي والإثني، والتي لم تتوقّف منذ إنشاء جمهوريّة ناقشت في مؤتمرات التأسيس الدستوري إذا كان السود هم بشرٌ أم لا، قبل أن تقرّر رسميّاً أن الواحد منهم لا يساوي إلاّ ثلاثة أخماس رجل أبيض. وحروب الإبادة ضد السكّان الأصليّين أسّست لوحشيّة «عاديّة» اتصفت بها كل الحروب والغزوات الأميركيّة. وتحقير العنصر الآخر تلازم مع هدير المدافع في كل الحروب الأميركيّة عبر التاريخ. أما الحروب والنزاعات بين الولايات المتحدة وبين العنصر الأوروبي في الحرب العالميّة الأولى والثانية فكانت جانباً من الإصرار الأميركي على وراثة الكرة الأرضيّة من منافسين أوروبيّين. لكن «المصير الجليّ» يصبح أقل بديهيّة وأقلّ حتميّة في بلادنا. لعلّ الإرادة الإلهيّة (المُفترضة) خذلته.