[ الحلقة الحادية والعشرون " 21 " من " سلسلة الفكر الإستراتيجي " ]

ــ د . بهجت سليمان


[ الحلقة الحادية والعشرون " 21 " من " سلسلة الفكر الإستراتيجي " ]
( الإرادة)
{ " الإرادة " و " الإختيار ".. وحدود " الحرّيّة " في الفلسفة،و في الأخلاق }
ــ د . بهجت سليمان
لا يمكن لأيّ شخص أن يتناول مشكلة "الإرادة" واقعيّاً بما يُشبه ما يتناولها "الفيلسوف" الذي عليه دوماً أن يتساءل على قيمة و مغزى "الإرادة" في ظلّ الحكم النّهائيّ على "الإنسان" ، سواء بالضّعف الخَلْقيّ أو الضّعف الخُلُقيّ ، و في هبوب كلّ العواطف و الأحاسيس و المشاعر ، في أحيان معيّنة ، في وجه الحاجة إلى اختيار وجهة عكسه تماماً (عكس جهة الهبوب) مع ما يُهدّد "الإرادة" في حينها ذلك ، أو مع ما يجعل منها قراراً هشّاً و خابياً حتّى لو انتصر القرار مع "الواجب" (للواجب) الذي كثيراً ما يقف على النّقيض من الممكنات و الأدوات و المتاح الظّرفيّ .
و لعلّ أسئلة عديدة تشرح لنا ، في محاولات الإجابة عليها ، أكثر من جانب من إشكاليّات الحالة المتعلّقة بالبحث على حدود "الإرادة" نفسها ، في الأصل ، فيما إذا كانت هذه الإرادة هي من صفات التّعالي و حسب ، أم كانت ممّا تدخل في تنوّع الممارسة في حقول الموقف الإنسانيّ العمليّ و أحواله في الأعراض .. !؟
و بين "الإرادة" كفعل للخلق الأصليّ المتعلّق باجتراح الأثر ، مع جميع احتمالات الاختلاف و الخلاف على مصدرها "الفعليّ" ، و بين حرّيّة "الإرادة الإنسانيّة" أو تقييدها ، نشأت مواقف فلسفيّة و فلسفات بالجملة عملت على شرح فهمها لهذه التّحفة العقليّة "الأثريّة" التي أثْرَتْممتلكات الفكر و المعتقدات و الأديان و الممارسة الأخلاقيّة النّظريّة ، بين مؤيّد و معارض للممكن و المحتمل و المحبّب و المستطاع .
تميل الأديانُ ، بوجه عامّ ، إلى اعتبار الكائن الإنسانيّ مكلّفاً و قادراً على الاختيار في إطار الحرّيّة الأخلاقيّة التي تجسّد "الإرادة" ، على رغم ما هو غامضٌ ، حقيقة ، و لا يمكنُ الرّكون إليه إلّا عبر "التّفسير" و "التّأويل" ، انطلاقاً من تكريم إلهيّ لِ"بني آدم" كما جاء ذكره ، مثلاً ، في "القرآن الكريم" :
" و لقد كَرّمْنَا بَنِي آدم" (الإسراء : 70) ؛
و يعتمد هذا " الفهم" على أنّ "الله" قد قال صراحة بالمشابهة أو التّفويض :
" وإنّي جَاعِلٌ فِي الأرضِ خَليفة" (البقرة : 21) ،
حيث أنّ ما يستطيعه "الله" ، نفسه ، يستطيعه ، بالتّالي ، "إبن آدم" ، و قد استحالت هذه "الاستطاعة" في حقول "الواجب" في أقلّ تقدير ، بعد أن تمّت "هداية" الله للآدميّ في شؤون التّفريق بين "الخير" و "الشّرّ" :
" وهَدَيْنَاهُ النَّجدَيْنِ" (البلد :10) ،
هذا مع أنّ أمر "الاختيار" بينهما هو مرهونٌ بالنّتيجة في "العقاب" كمصدر من مصادر "التّحفيز" و "التّرغيب" و "التّرهيب" ، في آنٍ معاً ، إذْ لا يستوي تأويل "الخطاب القرنيّ" في إطار "التّهديد" المجرّد تبعاً للرّحمة الإلهيّة الثّابتة في "الخلق" و في "النّصّ" ، و إنّما لا بدّ من الفهم الرّحيم ، أيضاً ، للنّصّ القرآنيّ ، من باب مبادلة "الرّحمة" بالعدالة ، و هذا ، أيضاً ، في أقلّ تقدير :
" و قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُم فَمَنْ شَاءَ فلْيُؤْمِنْ و مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا اعتدْنا لِلظّالمينَ ناراً" (الكهف : 29) .
ثمّة تفسيراتٌ لِ"الإرادة الإلهيّة" تحاول أن تستبعدَ "المشيئة" من تكوين "الإرادة" ، مع أنّ "الإرادة الإلهيّة" هي إرادة كلّيّة لا يمكن اجتزاؤها في "الفهم" البشريّ إلى حالة مشروطة بالّلغة ؛
فمَن لا يُحبّ ، من "المفسّرين المسلمين المُعتَبرين" ، أن تقترن "المشيئة" بالإرادة ، إنّما يعتمد على ذريعة "لغويّة" محضة - و هي ضعيفة هنا- لاستبعاد "المشيئة" بوصفها "مصدراً ميميّاً" و هو المصدر الذي لا يُعتدّ به - كما يقولون- إلّا على أنّه بمعنى "الإسم" فقط ، و لا يتجاوز "الإسم" على "المسمّى" إلى "المصدر" المجرّد المطلق فيالمصدريّة و الاختصاص النّوعيّ ؛
فهؤلاء "المفسّرون " يرون أنّه لا يُقال فعل "شاء" على معنى فِعلِ"أراد" لكونهم ينسبون كلّ فعلٍ منهما إلى "مصدرين" متفاوتين في "الأصليّة" و "التّجريد" ، فيما ينسون و يجهلون أنّ "المشيئة" هي ، أيضاً ، تخفيف أو تليينٌ لغويّ لمصدرٍ صريح هو "الإشاءة" لكلّ "الأشياء" ، مع العلم أنّ مصدريّة "الإشاءة" ، و لكونها تتعلّق بِ"وَجْدِ" الأشياء ، بِ"وَجْدِ" أوّل الأشياء و كلّ الأشياء و كلّ شيء ، إنّما هي "مصدريّة" أقوى ، في الحقيقة ، من "مصدريّة" الإرادة ، و أقلّه هي "أسبق" من حيث "القضاء" .. ، مع أنّ "الإشاءة" تستبطنُ "التّعدّي" مع "المفعول" و "الّلزوم" من دونه .. و تتجاوز "الشّيء" (بمعنى ممارسة الإشاءة و المشيئة)كمصدر متعدٍّ و حسب ؛

و يمكن تقريب هذه "الصّورة" المصدريّة للإشاءة إذا قلنا عليها ، هي نفسها ، ذلك المصدر "الكونيّ" و "الّلغويّ" الذي صغناه بِ"الشّيء" و أي بمعنى "الوَجْدِ" و أعني "الإيجاد" :
( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يـس :82) .
اضطررتُ إلى هذه المداخلة "الفيلّلولوجيّة" (الفقهيّة الّلغويّة ، أو الفلسفة الّلغويّة) من أجل قضيّة بسيطة جدّاً و لكنّها ذات بعد فلسفيّ و أخلاقيّ في "الإرادة" التي هي تعود في أصلها "الكلّيّ" إلى "المشيئة" أو "الإشاءة" أو "الشّيء" ، و ذلك ، فقط ، لكي أبرز كلّيّة "الإرادة" عندما يكون الحديث جارياً على "الإرادة" الكلّيّة ، و حسب ، الأمر الذي استعصى و يستعصي على معظم "المفسّرين" المسلمين للقرآن .. ؛
و لا يليق بنا ، بالتّالي ، أن نفهم واقع "الإرادة" الإنسانيّة على هذه "الكلّيّة" الكمّيّة و النّوعيّة ، مقارَنَة بالإرادة "الأصليّة" .
و أمّا الفلسفات ، فتختلف ما بين إقرار "الإرادة" الإنسانيّة لكائنٍ واعٍ و عاقل و قادر ، أو نفيها عن كائنٍ محكوم بشروطه الحتميّة التي تنفي كلّ حرّيّة أو قدرة على الاختيار ، مع ما يستلزم ذلك من استكانة عمليّة لواقع و عالم حاكمين لجميع ما يتخيّله الإدراك من تحرّر في الرّغبة و القرار ، كما تختلف في طبيعة و حدود و درجة هذه "الإرادة" .
يحسن أن ننظر إلى "الإرادة" عند (سقراط) كجزء متّصل بالفلسفة الأخلاقيّة التي أسّس لجوهرها و كادت جميع فلسفته أن تكون كذلك على "الأخلاق" ، و بخاصّة إذا فهمنا "الأخلاق" عند (سقراط) على غير ما يفهمه بها النّاس ، اليوم ، لأنّ (سقراط) حسب تعبير (شيشرون) قد أنزل الفلسفة من السّماء إلى الأرض ؛
و نحن نفهم قول (شيشرون) بأنّ (سقراط) حصر فلسفته و تعاليمه في إطار "الأخلاق" ، على مختلف مضامين هذه الكلمة ، في أعماق الإنسان بعد أن كانت ، قبله ، في غياهب العناصر و الأفلاك ، و هذا من جهة ؛ و من جهة أخرى أنّه كان يؤسّس لفلسفته في مواجهة "السّوفسطائيين" الذين امتهنوا كرامة الأخلاق و استباحوا القيم في فلسفة خطابيّة نفعيّة كانت ، ربّما ، هي الأساس التّاريخيّ لمهارات "الأيديولوجيا" التّالية فيما بعد ؛
و هكذا فالإنسان عند (سقراط) روح و عقل ، يجب ، بما هو كذلك ، أن يسيطر على الحسّ و يدبّره .
[ انظر : تاريخ الفلسفة اليونانيّة . تأليف يوسف كرم . مطبعة لجنة التّاليف و التّرجمة و النّشر - 1936م . ص(67- 68)] .
من الصّعب أن نقف على نصوص خاصّة عند (سقراط) و (أفلاطون) تبحث في "الإرادة" على نحو مستقلّ ؛
و لكنّنا نستطيع الوقوف على نظرتهما الأخلاقيّة المتضمّنة في البحث في مفاهيم مثل "السّعادة" و "الّلذّة" و "العقل" و "النّفس" و "الجسد" و "الحسّ" ، فنفهم كيف ينظران إلى "الإرادة" بوصفها تلك المَلَكةَ التي تتوجّه إلى ممارسة الإنصاف و العدالة في الحياة و السّلوك ؛
و واضح أنّ ضبط الشّهوات يتّصل مباشرة بما ندعوه "الإرادة" .
[ المصدر . ص(116)] ؛
ذلك أنّ " العِفّةَ بمعناها الأسمى هي الرّغبة عن الّلذّة و التّجرّد من الجسم و المران على الموت (..) ، "لأنّ السّعادة في التّشبّه بالله" كما يقول (أفلاطون) ؛
و من المفهوم كيف يتّصل هذا بالإرادة من جانب أنّه لا توجد ثمّة "إرادة" مجرّدة ، و إنّما جميع خصال النّفس و قوى "العقل" إنّما لا يمكن تصوّرها من دون غايةٍ هي اكتناه "الغاية" .. !
عند (أرسطو) تتمايز "الإرادة" في "الأخلاق" من باب "الفضيلة" التي هي "مَلَكَة في وَسَطٍ" و هي "مَلَكَةُ اختيار" ؛ و أمّا "الاختيار" فهو صادر عن "الإرادة" .
يقول (أرسطو) :
" من الضّروريّ عند البحث للوقوف على كنه الفضيلة أنْ يُحدّدَ مايجب أنْ يُعنَى بالإراديّ و باللا إراديّ" .
[ علم الأخلاق- إلى نيقوماخوس . تأليف أرسطو طاليس . ترجمه من اليونانيّة إلى الفرنسيّة و صدّره و علّق عليه تعليقات تفسيريّة (بارتلمي سانتهلير) ، أستاذ الفلسفة اليونانيّة في الكولج دي فرنس ، ثمّ وزير الخارجيّة الفرنسيّة . نقله إلى العربيّة (أحمد لطفي السّيّد) ، مدير دار الكتب المصريّة . الجزء الأوّل . مطبعة دار الكتب المصريّة بالقاهرة -1924م . الكتاب الثّالث . ص(265)]
و عند (أرسطو) ، فإذا كان "الاختيار" صادراً عن "إرادة" ، فإنّه ليس كلّ فعل إراديّ ، اختياراً . فالفعل الإراديّ هو الفعل الصّادر عن معرفة و نزوع ، و الفعلُ الّلا إراديّ هو الذي ينقصه أحد هذين الشّرطين ؛
فالأفعال ليس منها "القسريّ و الّلا إراديّ إلّا ما كانت علّاه في الخارج ، دون أن يستطيع الكائن الذي وقع عليه الإكراه و القسر أن يكون من العِلّيّة في شيءٍ على الإطلاق ؛
و "أمّا الأفعال بسبب الجهل ، ففي الحقّ أنّ كلّ ما فيها يقع دون أن تُشَاطِرَ فيه إرادتنا ، و لكنّه لا شيء في الواقع ضدّ إرادتنا إلّا ما يُسبّب لنا ألماً و نَدَماً" .
[ المصدر . ص(269- 270)] ؛
و عنده ، فإنّ "الاختيار" و "القصد" هما واحدٌ و هما شيءٌ "إراديّ" ، من "الإرادة" ، و لكنّها (الإرادة) تمتدّ إلى أبعد من ذلك .
"فالإرادة أو الرّغبة تتعلّق على الأخصّ بالغرض التي تسعى إليه . أمّا القصد أو الاختيار المُدَبَّر فإنّه يُقدِّرُ على الأخصّ الوسائل التي تؤدّي إلى ذلك الغرض" .
[ المصدر . ص(277)] .
يطالعنا "أبو الفلسفة الحديثة" (ديكارت) (1596- 1650م) برأي خاصّ عن "الإرادة" ، فيقول :
" إنّ أخطاءَنا تعود إلى علّتين : الإدراك و الإرادة (...) ؛ قدرتي على المعرفة و قدرتي على الاختيار و حرّيّة الحكم ، أي قدرتي على الإدراك و الإرادة معاً (...) ؛ إنّ الإدراك و الإرادة ليسا في حدّ ذاتهما علّة أخطائنا و التي تعود ، بالأحرى إلى عدم استعمالنا لهما بطريقة قويمة" .
[ رينيه ديكارت . تأمّلات ميتافيزيقيّة في الفلسفة الأولى . ترجمة الدّكتور كمال الحاج . منشورات عويدات . الطّبعة الرّابعة . بيروت . باريس - 1988م . ص(88- 89)] .
و نستطيع القول ، مع (ديكارت) ، إنّ الإفراط في تَمَتُّعِنَا بالقدرة على الاختيار النّاجمة عن التّوسّع بالإرادة على اعتبار أنّ "الإرادة متّسعة المدى بطبيعتها" ،إنّما هو مردّ "الأخطاء الأخلاقيّة" ..
هذا مع أنّ الكثير من الفلاسفة ، باستثناء (ديكارت) ، يرون العكس ، و ذلك في أنّ مجرّد توفّر "الإرادة" القابلة فينا للامتثال إليها ، هو دليلٌ على "حريّتنا" الأخلاقيّة الموجبة لأغراضها النّبيلة ؛
و لكنّ (ديكارت) لا يفوته التّمييز بين المتفاوتِين في الدّرجات ، من جانب أنّنا "علينا" أن نكون ممتنّين لهذه المزيّة العظمى التي هي "الحرّيّة" و التي لنا القدرة على العمل بواسطتها ، لنصبح بها سادة أفعالنا و من ثمّ جديرين بالمَدْحِ عندما نحسن قيادتها ؛
" فالأفعال الصادرة عن حرّيّتنا هي وحدها التي نقبل بسببها المَدْحَ أو الذّمَّ ؛ و هذه الحرّيّة ، إذ تهيّئ لنا السيطرة على أنفسنا ، تجعلنا شبيهين بالله على نحو ما ، و ذلك بشرط الّا نفرطَ فيما تمنحنا هذه الحرّيّة من حقوق" .
[ انظر : ديكارت . بقلم الدّكتور نجيب بلدي . دار المعارف بمصر –القاهرة . الطّبعة الثّانية – 1968م . ص(217)] .
و الأمر يختلف عند (سبينوزا) (1632- 1677م) ، فهو يسمّي عجز الإنسان عن كبح انفعالاته و التّحكّم فيها بالعبوديّة ، و يرى أنّ استلاب الإرادة في انقهار الإنسان في "الانفعالات" هو في "الخضوع لسلطان القَدَر" .
[ باروخ سبينوزا . علم الأخلاق . ترجمة جلال الدّين سعيد . مراجعة د. جورج كتّورة . مركز دراسات الوحدة العربيّة . المنظّمة العربيّة للتّرجمة . بيروت . الطّبعة الأولى – 2009م . ص(229)] .
إذاً ، يربط (سبينوزا) "الإرادة" بالمعرفة ، بينما يربط ما يمكن أن نسمّيه بالانسحاق أمام الشّهوات أو العجز بالجهل .
و واضحٌ ، أو يجب أن يكون واضحاً ، انّه يفهم "الإرادة" بكونها علّة لواسطة معرفة العوالم الدّاخليّة للنّفس كما العوامل الخارجيّة ؛ فكلاهما موضوع للمعرفة .
يذهب (كانط) (1724- 1804م) إلى أنّ "الإرادة نوع من العِلّيَّة تتّصف بها الكائنات الحيّة ، من حيث هي كائنات عاقلة ، و الحرّيّة ستكون هي الخاصّيّة التي تتميّز بها هذه العِلّيَّة ، فتجعلها قادرة على الفعل و هي مستقلّة عن العلل الأجنبيّة التي تحدّدها : مثلما أنّ الضرورة الطّبيعيّة هي الخاصّيّة التي تتميّز بها العِلّيَّة لدى جميع الكائنات الحيّة غير العاقلة و التي تجعل فاعليّتها تتحدّد بتأثير العلل الأجنبيّة عنها" .
[ أمانويل كانت . تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق . ترجمة و تقديم : د. عبد الغفّار مكّاوي . مراجعة الدّكتور عبد الرّحمن بدوي . منشورات الجمل . الطّبعة الأولى . كولونيا- ألمانيا- 2002م . ص(145)] .
و هذا يعني أنّ (كانط) يرى في "الإرادة" المبدأ الأخلاقيّ الرّئيسيّ من حيث أنّ "الإرادة" هي قانون لنفسها بفعل خاصّيّة "الحرّيّة" التي هي هي .. الاستقلال الذّاتيّ في صيغة "حرّيّة الإرادة" .إنّ "الإرادة" عند (كانط) هي "أمر أخلاقيّ مطلق" بكلّ بساطة ، ذلك لأنّ "الحرّيّة خاصّيّة تتميّز بها إرادة جميع الكائنات العاقلة" .
[ المصدر . ص(149)] .
و لقد اشتهر عن (كانط) أنّه من أشدّ دعاة نظريّة "الواجب" في "الأخلاق" . و تقترن عنده "الإرادة" ، مبدئيّاً ، بالواجب ، و عندها نكون أمام ما يُسمّيه (كانط) بِ"الإرادة الطّيّبة" . أمّا أهميّة وجود الإرادة الطّيّبة في الإنسان فتأتي من تسليم كانط بفرضيّة عقم "الشّعور الطّبيعيّ" في الإنسان ، وعدم أهليّته للقيام بالأفعال الأخلاقيّة وفعل الخير ؛
لذا أقرَّ بأنَّ لدى الإنسان "إرادة طيّبة" هي منبع "القيم الأخلاقيّة"وبأنَّ هذه "الإرادة" تمثّل "جوهر القانون الأخلاقيّ" بالنّسبة إلى جميع "الأفعال الأخلاقيّة" ؛
و ينجم عن هذا في فلسفة (كانط) أنّ مبدأ "استقلال الإرادة" هوما يُسمّيه (كانط) "المبدأ الأعلى للأخلاقيّة" ؛
و عنده فإنّ بداهة وجود هذه "الإرادة الطّيّبة" إنّما هي مقترنة بوجود "العقل" الموهوب للإنسان .

يعتقد (هيغل) (1770- 1831م) أنّه ليست "الإرادة" كالدّوافع المتعدّدة المتّصفة بالجزئيّة ، إذ الإرادة واحدة و كلّيّة من مضمونها المتنوّع و بهذا تختلف عن دوافعها الكثيرة و الجزئيّة ، و التي هي (الإرادة) تعلو عليها (الدّوافع) و تختار من بينها ، و هذا هو عنصر "الاختيار" في حياة "الإرادة" .
[ انظر : وولتر ستيس . هيجل- فلسفة الرّوح - المجلّد الثّاني من "فلسفة هيجل" . ترجمة د. إمام عبد الفتّاح إمام . دار التّنوير للطّباعة و النّشر و التّوزيع . بيروت . الطّبعة الثّالثة- 2005م- ص (55- 56)] .
و "الحرّيّة" عند (هيغل) موجودة و هي لا يخترعها "القانون" و إنّما يبدأ و ينطلق منها ، و هو ليس مطلوباً منه إثباتها و لا اختراع مفهومها ، باعتبارها موجودة ، و إنّ كلّ ما على "القانون" هو أن يُدرك معناها و يعيها .
و يقول :
" و بوجه عام ، يحتلّ القانون جزءاً من ميدان الإرادة ، الرّوح ، لكنّه في داخل الرّوح يجد مكان و أساس انطلاق في الإرادة . و الإرادة حرّة ، إلى حدّ أنّ الحرّيّة تؤلّف جوهره و مصيره " .
فالإرادة تنطوي ، عند (هيغل) ، على معنى الحرّيّة ، إذ من الحرّيّة تصدر تصرّفات الإنسان المميّزة له بوصفه إنساناً .
و الإنسان ليس ، فقط ، حرّاً ، بل هو بالضّرورة حرّ ، و لا يمكن أن يوجد إلّا حرّاً .
[ انظر : د. عبد الرّحمن بدوي . فلسفة القانون و السّياسة عند هيجل . المؤسّسة العربيّة للدّراسات و النّشر – بيروت . دار الشّروق –القاهرة . الطبعة الأولى – 1996م . ص(20- 21)] .
و من البيّن أنّ (هيغل) لا يناقش مسالة وجود أو توفّر "الإرادة" و "الحرّيّة" الإنسانيّة ، أو "الإرادة الحرّة" ، و إنّما يفترضها كأساسٍ و ينظر إليها كضرورة للممارسات و الوضعيّات التي يتّخذها الإنسان انطلاقاً منها بما هي أساسٌ موضوعيّ لتلك الممارسات . .
لعلّ "الإرادة" ، إذا كانت مسألة "دافع" أو موجّه أو محفزّ أو غاية للعمل الإنسانيّ ، أو العمل الأخلاقيّ منه على التّحديد ، عند مختلف الفلاسفة ؛ فإنّها ليست كذلك ، أبداً ، عند (شوبنهور) (1788- 1860م) ، بل هي ، الإرادة ، هي الشّكل الوحيد الجوهريّ للحياة التي هي "تَمَثُّلٌ" للعالم وفق مبدا "العلّة الكافية" ؛
و حيث يضرب "التّمثّل" جذوره العميقة في جوهر العلاقة المباشرة مع العالم ؛ فإنّ "الإرادة" ، عند (شوبنهور) ، يمكن أن نصوّرها على أنّها الشّطر الثّاني و الموضوعيّ و الأهمّ لعيش هذا العالم ، و الذي هو دخول العالم في "كفاية الفكرة" ، بعد أن دخل مبدأ "العلّة الكافية" في "التّمثّل" ؛
" فالإرادة ، و الإرادة وحدها ، هي ما يمكن أن يمنح الإنسان مفتاح تفسير ظاهرة وجوده الخاصّ ، و يكشف له عن مغزى وجوده ، و يبيّن له الآليّة الباطنيّة الكامنة وراء وجوده و أفعاله و حركاته" .
[ آرتور شوبنهور . العالم إرادة و تمثّلاً . المجلّد الأوّل . ترجمة و تقديم و شرح سعيد توفيق . مراجعة على النّصّ الألمانيّ فاطمة مسعود .المشروع القومي للتّرجمة ، بإشراف جابر عصفور . المجلس الأعلى للثّقافة . القاهرة . الطّبعة الأولى- 2006م . ص(194)] .
و لأوّل مرّة ، مع (شوبنهور) ، كما يتّضح ، تخرج "الإرادة" من دائرة "الأخلاق" ، في الفلسفة ، لتكون في قلب دائرة "المعرفة" و "العمل" ، بما هو "التّمثّل" عملٌ و بما هي "الإرادة" معرفة ، ذلك أنّ "الإرادة" ، نفسها ، هي "موضوع" أو "فئة خاصّة" ، ممّا يمكن لنا أن نفهمه من (شوبنهور) و نسمّيه ، من مواضيع و فئات "التّمثّلات" الكثيفة و المضاعفة ؛
لقد شكّل (شوبنهور) ، في رأينا ، قطعاً "إبستمولوجيّاً" تاريخيّاً ، مع "الإرادة" ، من مرحلة أو تشكيلة "الإبستميّة" الأخلاقيّة للإرادة إلى تشكيلة "الإبستميّة" المعرفيّة للإرادة . و هذا انزياح "أخلاقيّ" و "معرفيّ" في وقت واحد .
و بسبب "هذه الوَحدة التّامّة" بين "الإرادة و الجسم" ، فإنّ البرهنة عليها مناسَبة لإمكانيّة رفع هذه "البرهنة" (الوَحدة) من "مستوى الوعي المباشر و المعرفة بطريقة عيانيّة إلى مستوى المعرفة العقليّة أو المعرفة بطريقة مجرّدة" .
[ المصدر . ص(197)] .
و "إنّ معرفتنا المزدوجة بماهيّة جسمنا و فاعليّته (...) يمكن لنا ، [و علينا] أن نستخدمها فيما هو أبعد من ذلك كمفتاحٍ لفهم الوجود الباطنيّ لكلّ ظاهرة في الطّبيعة" .
[ المصدر . ص(201)] .
و هكذا فإنّ "الإرادة" عن (شوبنهور) ليست إرادة "موضوع" محدّد بواسطة جزئيّات الإرادة المختلفة كالرّغبة و المتعة و الطّموح و الموقف .. ، إلخ ؛ و بخاصّة منها "الاختيار" ؛ و إنّما "الإرادة" عنده هي "إرادة" شاملة ، إنّها "إرادة الحياة" .
التقط (نيتشه) (1844- 1900م) هذه الّلحظة المعرفيّة العميقة و المديدة في فلسفة (شوبنهور) و جعل منها ديناً و ديدناً شاملاً في فلسفته التي عرفت باسم "فلسفة القوّة" . و لم يكن المدخل الطّبيعي الذي سلكه (نيتشه) إلى ذلك ، سوى "هدم جميع القيم السّابقة"(!) .. و الولوج في "عدميّة شاملة" جعلها (نيتشه) تجتاح كلّ ما عداها من قيم ، محطّمة جميع "الإرادات" بما فيها "مبدأ الإرادة" الّلغويّ و الفقهيّ ، من أجل "إرادة" واحدة كان يمكن أن تُسمّى بغير إسمها ، لولا أنّ (نيتشه) كان قاصداً هذا الصّدام مع "الأخلاق" في التّاريخ ، بخاصّة ، فأسماها "إرادة القوّة" و اختيار العُلُوّ .. !
يقول ( نيتشه ) :
"والأخلاق هي أيضاً "لا أخلاقيّة" مثلها مثل سائر الأشياء على سطح الأرض ، الأخلاقيّة نفسها هي نوع من الّلا أخلاقيّة" .
[ فريد ريك نيتشه . إرادة القوّة- محاولة لقلب كلّ القيم . ترجمة و تقديم محمد النّاجي . أفريقيا الشّرق . المغرب- الدّار البيضاء . الطّبعة الأولى- 2011م . ص(147)] .
و يقول :
" إنّ إرادة أخلاق واحدة معناه استبداد صنف بشريّ بكامله ، الصّنف الذي على مقاسه وضعت هذه الأخلاق الفريدة ، على حساب الأصناف الأخرى : إنّه التّدمير أو التّنميط لصالح الأخلاق السّائدة" .
[ المصدر . ص(152)] .
و (نيتشه) ، كفيلسوف ، لا تغيبه تلك الانتباهة الدّقيقة في مشروعه لتحطيم الأخلاق و الأصنام و الفلسفة ، أيضاً ، في أنّه عليه إعمال "إرادة القوّة" في طاقتها القصوى ، و أعني أنّه استطاع أن يفتتح مشروعيّة "إرادة القوّة" باعتبارها "معرفة" ، كذلك ، لإغلاق الأبواب على كلّ نقد "معرفيّ" يمكن أن يتسلّل إلى فناء "فلسفته" ليغتال "المشروع" .. !
يقول :
" لا وجود لكلّ من "العقل" و البرهان و الفكر و الوعي ، و الرّوح ، و الإرادة ، و الحقيقة : فما هي إلّا أإوهام لا يمكن استعمالها (...) ؛
" تعمل المعرفة كأداة للقوّة ؛ و بالتّالي فمن البديهيّ أن تزدادبازدياد القوّة (...)" .
[ المصدر . ص(207)] .
و في "إرادة القوّة" ، كقانون طبيعيّ ، عند (نيتشه) ،
" فإنّ كلّ ما يتعلّق به الأمر في كلّ ما يحدث هو درجة المقاومة و درجة التّفوّق" .
[ المصدر . ص(237)] .
و حيث أنّ "إرادة القوّة" ، أيضاً ، هي "حياة" ، أو كحياةٍ ، فإنّ الإنسان لا يبحث عن الّلذّة و لا يتجنّب الكدر ، كما أنّه ليس إشباع الإرادة هو سبب الّلذّة ؛ ذلك أنّ"الشّيء الوحيد الذي تمّتْ البرهنة عليه هو كون العالم لا يرد بلوغ حالة تكون دائمة . لذلك يجب أن نتصوّر أنّ ذروته ليستْ حالة توازن" .
[ المصدر . ص(254)] .
و في النّتيجة ، و إذا جرّبنا الكلام مع (نيتشه) ، فإنّ "إرادة القوّة" هي "الأخلاق" و "القانون الطّبيعيّ" و هي "المعرفة" و هي "الحياة" ، و ليس لشكلٍ آخر من أيّ نوع كان لِ"الإرادة" أو "الاختيار" أو "الأخلاق" أيّة قيمة معرفيّة ، كما أنّه ليس لِ"المعرفة" أيّة قيمة أخلاقيّة .. ، خارج التّعلّل بِ"إرادة القوّة" التي تنقذ و ستنقذ البشريّة من تثاؤبها الطّويل .
لقد تحوّلت النّظرة إلى العالم في نهايات القرن التّاسع عشر و بداية القرن العشرين ، بحيث يمكن لنا القول إنّ عصراً معرفيّاً و أخلاقيّاً يمتد إلى أكثر من ألفي عام ، كان قد أزفت ساعته إلى غير رجعة ، و على الأقلّ من حيث الممارسة العالميّة الشّاملة ، في السّياسة ، لكلّ من "المعرفة" و "الأخلاق" و "الإرادة" .
لقد شكّلتْ تلك الانعطافة التّاريخيّة نظاماً معرفيّاً ، تجاوز شروط إنتاج الثّقافة و السّياسة و السّيكولوجيا التي شهدناها في "الحداثة" السّابقة و السّالفة ، إلى درجة أصبح معها الحديث ممكناً على أونطولوجيّا ميتافيزيقيّة جديدة ، إنْ لم يكن من الممكن الحديث على عالم آخر مختلف بالجملة عن عالم ولّى إلى الأبد .
اختلفت النّظرة في الفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا و علم النّفس و الأنثروبولوجيا ، و كان من جرّاء ذلك أن شهدنا ميولاً معاصرة تجزيئيّة للقناعات و المعارف في إطار "تخصّصيّات" بريئة و غير بريئة ، أصبح معها الواقع الواحد بالنّسبة إلى الظّاهرة الواحدة مجموعة من التّفاصيل .
و كان أن ترك ذلك أثرَهُ الطّبيعيّ و التّلقائيّ على "الفلسفة" بمكوّناتها المختلفة و عناصرها التّكوينيّة ، ما أدّى إلى ظهور الفلسفات المعاصرة المتّصلة ، كلّها ، بما يمكن أن نسمّيه بالتّحوّل "النّيتشويّ" للحساسيّة و الذّائقة الأستيطيقيّة للعالم و الذي لاقى أكبر أصدائه في لغة القوّة و التّفوّق و العنف و الحروب و التّطوّر المتسارع للعلوم .
في هذه الأجواء الكونيّة ، تعزّزت الفلسفات العمليّة ذات الطّابع القصديّ السّياسيّ و الغائيّ المباشر ، و كانت أشهر تلك الفلسفات هي تلك الفلسفة المعاصرة المعروفة بِ"البراغماتيّة" (Pragmatism) التي أضفى عليها الفيلسوف الأمريكيّ من "أصل إيرلنديّ" (وليم جيمس)(1842- 1910م) لمساتها الأخيرة ؛ و الذي كان له ، أيضاً ، موقفه "الفلسفيّ" من "الأخلاق" و "الإرادة" .
ينطلق (وليم جيمس) في نظرته إلى "الأمور" من واقع أنّه "من المستحيل تكوين فلسفة أخلاقيّة و وضع قواعد نظريّة لها قبل وجود التّجارب الفعليّة و تبيين أنّ كلّ واحد منّا يساهم في بناء مدلول الفلسفة الأخلاقية كما يساهم في بناء الحياة الخُلقيّة للجماعة الإنسانيّة .
" و بعبارة أخرى ، تَبَيَّنَ أنّه لا يمكن أن يكون هناك حقّ مطلق في الأحكام الخُلقيّة ، كما أنّه ليس هناك حقّ مطلق في المسائل الطّبيعيّة ، حتّى ينقرضَ ذلك النّوع الإنسانيّ و تنتهي أفعاله و تصرّفاته" .
[ إرادة الاعتقاد . وليم جيمس . ترجمة الدكتور محمود حبّ الله –عضو الجمعيّة الفلسفيّة المصريّة . دار إحياء الكتب العربيّة – 1946م . ص(79)] .
و قد كان (بول ريكور) (1913- 2005م) ، الفيلسوف و المفكّر الفرنسيّ ، من أقرب المعاصرين إلى زماننا ممّن أسهموا في موضوعة "الإرادة" ، و لو أنّه كان أن بحث هذا المضمون ، بخاصّة ، من باب مقاربة الشّرّ من جهة الإنسان و حرّيّته في "الإرادة" ؛ و من الواضح أنّ (بول ريكور) كان يهدف إلى استعادة "أخلاقيّة" لمفهوم "الإرادة" و "الاختيار" .

يقول (بول ريكور) :
" فالشّكلانيّة الأخلاقيّة بإظهار حقيقة وحيدة للإرادة الصّالحة ، تظهر أيضاً حقيقة أخرى وحيدة للإرادة السّيّئة ، و بالشّكلانيّة يتوق الشّرّ ليختزل نفسه بحقيقة العبد الحاكم ، و ذلك هو جوهر الرّؤية الأخلاقيّة للشّرّ .
" لكنّ عظمة هذه الرّؤية الأخلاقيّة لا تكون كاملة إلّا إذا أدركنا بالمقابل الفائدة منها بالنّسبة إلى تعقّل الحرّيّة نفسها ، حرّيّة تأخذ الشّرّ على عاتقها ، إنّها حرّيّة تدخل إلى فهم نفسها مثقلة بالمعنى انفراديّاً" .
[ بول ريكور . فلسفة الإرادة- الإنسان الخطّاء . ترجمة عدنان نجيب الدّين . المركز الثّقافي العربيّ . المغرب- الدّار البيضاء . لبنان- بيروت . الطّبعة الثّانية- 2008م . ص(21)] .
إنّه و بقدر ما انصبّت عليه الدّراسات من محرّك للإرادة الأخلاقيّة "النّاجية" ، فإنّه من الأهمّيّة ، أيضاً ، أن يتوجّه البحث في الإرادة الأخلاقيّة من وجهها الآخر ، و أعني "إرادة الشّرّ" أو "إرادة الخطأ" ؛
و بهذا تبدو الصّورة العامّة لمشهد الحياة أكثر ألفة و واقعيّة ؛و ذلك مهما كابر البعضُ في اتّجاه الإرادة الأخلاقيّة الحرّة و النّبيلة ، و من أنّه لا يمكن للإنسان أن "يُريدَ" الشّرّ ..
على هذه الاختصارات التي حاولنا فيها استحضار الكثير من أبعاد الأهمّيّة التي لاقتها "الإرادة" بالفلسفة و الأخلاق و المعرفة و العمل، نستطيع أن نقول إنّ ما تقدّم من أفكار و آراء و قواعد و نظريّات و مواقف في "الإرادة" ، إنّما لا يساوي إلّا القليل من واقع المسألة في الحياة اليوميّة الغنيّة بالمواقف المبهمة أو الغامضة و التي ليس بإمكانيّتنا ، جميعاً ، أن ننسبها إلى فعل أخلاقيّ إراديّ حرّ و طيّب أو إلى العكس ، بهذه السّهولة ، و بخاصّة عندما يكون الضّاغط أو الموجّه حاجة أو اضطراراً أو رغبة أو تحدّياً ليس منه انفكاك .
و حيث ترتبط "الإرادة" بالاختيار ، و يرتبط "الاختيار" بالحرّيّة ، و ترتبط "الحرّيّة" بالأخلاق النّظريّة و العمليّة ، و حيث ترتبط هذه الأخيرة بالتّسويات الجماعيّة و الاجتماعيّة و الفرديّة و المهنيّة ، فإنّ القواعد العامّة للإرادة الأخلاقيّة ، أو لغيرها ، تبدو قواعد مهزوزة و تقوم عليها بناءات هشّة من القيم و القناعات .
و على أكثر ممّا هو معروف و مألوف ، فإنّ ثمّة من المواقف الأخلاقيّة التي نتّخذها و نمارسها و التي تبدو لنا مسوّغة بظروفها و أسبابها ، إنّما هي لا تبدو على ما نرغب لها أن تكون مقبولة عند الآخر ، و ذلك لأسباب شبيهة بالنّوع من الأسباب التي حصّنتنا ، نحن ، قبل قليل .
إنّه من الصّعوبة المطلقة أن يختار العقل أسس الإرادة الأخلاقيّة في إطار الاختيارات ، و بخاصّة منها الشّاملة و الكلّيّة ، ما لم يكن الموقف مبنيّاً على أكثر من "العقلانيّة" أو "الواقعيّة" ، في إطار فلسفة شخصيّة ، عمليّاً ، لها ما يدعمها في "الأنساق" ؛ و ها هنا تبدأ المسألة تجدّد من ذاتها باستمرار ما بين النّسبيّ و الفرديّ (الضّروريّ) ، من جهة، و بين الكلّيّ (الأخلاقيّ) ، من جهة أخرى .
و "الإرادة" : (Will) ، كأصل و مفهوم و مصطلح ، هي في تباينٍ دون ما يبدو عليه الأمر أنّه واضح كما يُظنّ ، بدليل أنّه يُعيينا الجواب إذا ما سألنا "ما هي "الإرادة" ؟" ، و ذلك على رغم جميع مزاعم "الفلسفات" و "الفلاسفة" و مذاهبهم المختلفة ؛
و يرجع ذلك ، في الحقيقة ، إلى تداخل حدود الكلمة مع الكثير من المفاهيم القريبة التي تنتمي إلى ظلالها كالرّغبة و الحزم و الصّبر و العزم و التّصميم ، و اختلاطها بما تتأصّل فيه الإرادة الأصليّة بالمشيئة و الاختيار .
و أمام السؤال الأصليّ و الضّروريّ "ما هي "الإرادة" ؟" و "هل هي إرادة جزئيّة أو إرادةٌ للكلّيّات ؟"
نجد ، نحن ، أنّه من الأسلم "أخلاقيّاً" و نفسيّاً ، و من غير الذي يُرتّبُ أعباءً في مسؤوليّات "وجدانيّة" ، و بخاصّة عند من يحملون أخلاق "الأبطال من الأفراد " ؛ أن يكون التّفريق واضحاً عند أصحابه ، ما بين "الإرادة" ، من جهة ، و بين "الاختيارات" الضّروريّة و بعض أنواع العُزوم و المقاصد و الحاجات و الرّغبات ؛ بحيث أنّنا نراها ممّا يختلف عن "الإرادة" التي تجدها أقرب إلى ممارسة الأخلاقيّات في الموضوعات الكبيرة و الجليلة دون تلك التي هي من صنف اليوميّات .
و يبقى أنّه في غالبيّة فحصنا للإراديّ و الاختياريّ نصطدم بأمرين على الأقلّ :
- الأوّل : هو استحالة أن نعرف ( في المنظور ، على الأقلّ ) إن كان فعل "الإرادة" خاصّاً بما ندعوه "الأشياء العاقلة" التي مثالها "الإنسان" .. ؛ وهذا حالَ قرّرنا إمكانيّة ممارسة الإنسان للإرادة بالحرفيّة المعهودة ؛
أم أنّه يشمل كذلك ما ندعوه ، أو ما ندّعيه إدّعاءً ، الأشياء غير العاقلة التي مثالها "الجمادات" .. !؟
و هنا لنا أن نسألَ (أو نتساءلَ) كيف نقرأ "الإرادة" في لغة الكون الفيزيائيّة ؟ في عالم الفيزياء الصّغيرة أو الكبيرة على حدّ سواء ؟ و هل ليس لتلك "العناصر" و "الأجسام" و "الأجرام" إرادة ؟!
ربّما يكون لِ"علم المجرّات الموجيّ" المعاصر ، و لفيزياء "الكوانتم" ، مثلاً ، آراء أخرى مختلفة و متباينة .. !
- و الثّاني : و هو الأهمّ ، و أعني هل فعلاً أنّ للمخلوق إرادةً هي كما هي للخالق نفسها ؟
أم أنّ ما نفهمه نحن ، الفانين ، من "الإرادة" ، هو أصداء لها قد تشيخ قبل أن نفهم كيفيّة الوصول إلى لغتها الحقيقيّة ؟
و من الطّبيعيّ أنْ يبقى الباب مفتوحاً أمام تأمّل حرّيّة "الإرادة" في العلم و الفلسفة و الجمال و الأخلاق .. ، إلخ ؛ و ما يُشبه "الإرادة"من "الكلّيّات" (أو "الجزئيّات" ، بحسب مَن يعتقد ..) ؛ و لكن ألا يعني هذا التّسليم الأخير - مع مَن سلّم معنا بالباب المفتوح !- أنّنا ، مع "الفلاسفة" ، ما نزال نحبو في أوّل المسافات نحو معتقدات ربّما نكون بحاجة إليها .. ، و ربّما لا نكون .. ؟؟!