شرذمة المجتمع الصهيونيّ وصواريخ المُقاومة اللبنانية

زهير أندراوس


“إننّي أكره اليهود من أصولٍ شرقيّةٍ لأنّهم يُشبهون العرب” (الشاعر حاييم نحمان بياليك الذي يُعتبر بنظر الصهاينة “الشاعر الوطنيّ الإسرائيليّ”)

سيّد المقاومة، الشيخ حسن نصر الله، الذي يتمتّع بمصداقيةٍ كبيرةٍ لدى الجمهور الإسرائيليّ، بحسب الدراسات والأبحاث الأكاديميّة في تل أبيب، كان قد أرسى مقولته المأثورة بأنّ إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت، كلامه لم يكُن مُوجهًا لأركان دولة الاحتلال، بل أيضًا إلى المُستوطنين فيها، وخصوصًا أنّ صواريخ المُقاومة، وباعترافٍ علنيٍّ من قادة أقوى جيوش العالم، باتت تُهدّد كلّ قطعة في العمق الإسرائيليّ.

***

ولكن ما يؤرق صنّاع القرار في تل أبيب هو ليس حزب اله فقط، بل حالة الشرذمة التي تُميّز المجتمع الإسرائيليّ: الكراهية الموجودة والمُستشرية اليوم في الدولة العبريّة بين مُكوّنات المجتمع الصهيونيّ باتت واضحةً وجليّةً للعين: الاشكناز يكرهون الشرقيين، المتدينون يمقتون العلمانيين، سكّان المدن الغنيّة يعيشون في “دويلات” خاصّة بهم، ولا يلتفتون إلى وضع اليهود من أصولٍ شرقيّةٍ، والذين يعيشون في المناطق البعيدة في الشمال والجنوب، علاوة على ذلك، فإنّ المتدينين ينقسمون على أنفسهم، فهناك الذين استُجلبوا إلى فلسطين من الدول الأوروبيّة، لا يتحملّون، وهذه كلمة خفيفة، اليهود المتدينين الذي وصلوا إلى فلسطين من الدول العربيّة، بناءً على ما تقدّم، يُمكن القول والفصل إنّ المجتمع الإسرائيليّ يعيش على التناقضات العرقيّة والإثنية، بالإضافة إلى البون الشاسع من الناحية الطبقيّة. السياسة الاقتصاديّة الإسرائيليّة، التي تُسّمى بالنيوليبراليّة، والتي يدعمها بكلّ ما أوتى من قوّة، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تُعمّق الفجوات بين مُركّبات المجتمع اليهوديّ-الصهيونيّ، فالأغنياء، وهم في غالبيتهم العظمى من الأشكناز، تزداد ثرواتهم، فيما “اليهود-العرب”، باتوا من أكثر الطبقات سحقًا وفقرًا، طبعًا بعد فلسطينيي الداخل. ولكن اللافت، أنّه في الانتخابات الأخيرة، صوتّ اليهود الشرقيون لنتنياهو، على الرغم من معاداته لهم، والسبب باعتقادنا المُتواضع أنّ كره اليهوديّ-الإسرائيليّ للعربيّ الفلسطينيّ يُنسيه الغبن اللاحق به من الناحية الاقتصاديّة-الاجتماعيّة، وهو الأمر الذي تعمل الحكومة الإسرائيليّة على تكريسه لدى هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع اليهوديّ. وعندما يُصبح كره العرب أهّم من لقمة العيش، فلا مكان للنقاش، إنمّا الجزم بأنّ العنصريّة، إنْ لم تكُن الفاشيّة، تغلبّت على قوانين الطبيعة.

***

عندما تأسست إسرائيل في عام 1948، على أنقاض الشعب العربيّ الفلسطينيّ، أعلن دافيد بن غوريون، مَنْ يُطلِق عليه الصهاينة لقب مؤسس الدولة العبريّة، أنّه سيعمل على انصهار اليهود من جميع أصقاع العالم في “أرض الميعاد” وإنشاء الأمّة الإسرائيليّة. اليوم، وبعد مرور 69 سنة على زرع هذا الكيان في المنطقة، يبدو أنّ حلم بن غوريون، ما زال بعيد المنال، وأنّ هدفه في إنشاء الأمّة الإسرائيليّة، بات من رابع المستحيلات. فالمعركة الانتخابيّة الأخيرة التي دارت رحاها على مدار ثلاثة أشهر، أخرجت من الزجاجة المارد الطائفيّ بكلّ قوتّه وبشاعته. ولم تنته الحرب “الأهليّة” بين أجزاء المجتمع الإسرائيليّ مع إعلان الفوز الساحق لنتنياهو في الانتخابات، بل استمرّت وبوتيرةٍ عاليةٍ جداً، وما زالت تستفحل.

***

وفي العادة، يطلّ المارد الطائفيّ خلال الانتخابات، خصوصًا من قبل المتدينين الشرقيين المتزمتين المؤيدين لحركة “شاس? بزعامة أرييه درعي، الذي لم يتردد في اعتماد شعار “الشرقيّ يُصوّت للشرقيّ”، في محاولة لاجتذاب أصوات الشرقيين من ناخبي حزب الليكود، والظهور بمظهر الضحيّة لاستدرار المشاعر أمام العلمانيين المتمثلين بحزب “يش عتيد” بزعامة يئير لبيد، والأخير كان قد قال لدرعي، الذي سُجن لسنوات عدّة، بعد إدانته بتلقّي الرشاوى، “ممنوع أنْ تكون في البرلمان، وعليّ ملقاة مهمّة تأهيلك وإعادتك للمجتمع?. علاوة على ذلك، وجّه لبيد رسالة إلى نتنياهو يُطالبه فيها بعدم تعيين درعي وزيرًا للداخليّة من نفس المنطلقات. درعي لم يتردد خلال المعركة الانتخابيّة في خوض حرب علنيّة على مَنْ نعتهم بالأشكناز والروس المهاجرين من دول الاتحاد السوفيتي السابق والبيض، الذين يقودون حزب الليكود! وجعلوا من حزب الشعب، ليكود، حزبًا متعجرفًا وشامخ الأنف يُمثل الروس والبيض، على حدّ تعبيره. بالإضافة إلى ذلك، وقعت وزيرة القضاء من “البيت اليهوديّ” وهي من أصول أشكنازيّة أييلت شكيد في مطّب التحريض الطائفيّ حين وصفت لاعب الكرة السابق الشرقيّ إيلي اوحانا، الذي اعتزم زعيم حزبها ترشيحه في القائمة، بأنّه “شرقيّ جنتلمان”. الأمر الذي دفع الأخير إلى سحب ترشيحه.

***

ولكن لماذا العجب، فقد قال قبيل قيام إسرائيل، الشاعر حاييم نحمان بياليك الذي يُعتبر بنظر الصهاينة “الشاعر الوطنيّ الإسرائيليّ”: إننّي أكره اليهود الشرقيين لأنّهم يُشبهون العرب. كما أنّه في أوائل الثمانينيات، قال الفنان دودو طوباز، وهو أشكنازيّ، في اجتماع جماهيريّ شارك فيه مئات الآلاف بمدينة تل أبيب تأييدًا لحزب العمل، إنّ اليهود الشرقيين هم مجموعة من الرعاع، الأمر الذي أثار ضجةً كبيرةً، وساهم من حيث يدري أوْ لا يدري، في منع حزب العمل من الفوز في الانتخابات. وعاد الفنّان الأشكنازيّ يائير غاربوز، في الانتخابات الأخيرة وقال: لن نرضي بأنْ يحكمنا مَنْ يعيشون على عبادة الحجاب والتعويذة، في إشارة إلى اليهود الشرقيين. وإذا أضفنا لشرذمة المجتمع الإسرائيليّ، التهديدات الخارجيّة، المتمثلة في حزب الله وإيران، فإننّا نصل فعلاً إلى نتيجةٍ بأنّ إسرائيل هي أوهن من بيت العنكبوت. ففي حرب العام 2006 فرّ أكثر من مليون إسرائيليّ من الشمال بسبب الكاتيوشا “البدائيّة”، فماذا سيحدث، إذا اندلعت مُواجهة جديدة مع الحزب، التي باتت ترسانته العسكريّة كبيرةً، وبحسب وزير الأمن الإسرائيليّ، أفيغدور ليبرمان: معظم الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) ليس لديها ربع عدد الصواريخ المتوفرّة لدى حزب الله، وأنّه أقوى المجموعات الإرهابيّة القائمة من حيث قدراته العسكريّة وكميّات الأسلحة المتوفرّة له، إنّه أقوى من تنظيم الدولة الإسلاميّة والقاعدة معاً. أمّا بالنسبة لإيران، فأقطاب دولة الاحتلال يعرفون جيّدًا إنّه إذا حصلت على القنبلة النوويّة، فإنّ الصهاينة، لن يترددوا، ولو للحظةٍ واحدةٍ، في الفرار إلى الدول التي استُجلبوا منها. لكنّ سيّد المُقاومة رغم صحّة وصواب قوله كشف نصف المعادلة، لأنّ قوّة بيت العنكبوت آتية من طبيعة الحكّام العرب الذين أغلبهم يُشكّلون رديفًا صهيونيًا عربيًّا لدعم إسرائيل.

***

وختامًا، نترك السؤال مفتوحًا: منذ زرع إسرائيل في المنطقة عام 1948، أيْ قبل 69 عامًا، لم يُنتخب أيّ رئيس وزراء من أصولٍ شرقيّةٍ، وبقي هذا المنصب حكرًا على اليهود الذين استُجلبوا إلى فلسطين من الغرب، أيْ الأشكناز. أهذه ليست عنصريّة؟ أمْ أنّها قمّة الفاشيّة؟.

*كاتب عربيّ من فلسطين