في أنّ أميركا والغرب يهبطان بينما الصين وآسيا تصعدان؟

هل صحّت أخيراً نبوءة ماو تسي تونغ من أنّ «ريح الشرق تغلب ريح الغرب»؟ هذا ما يجيب عنه بـ «نعم» جدعون راشمان في كتابه «تشريق– الحرب والسلم في القرن الآسيويّ» (فينتيدج)، إذ يتناول الموضوع الذي ربّما كان حاليّاً أكثر مواضيع عالمنا سخونة، والذي هو بالتأكيد الأشدّ تأثيراً في مستقبل البشريّة.
إنّه صعود الصين وآسيا مقابل هبوط الولايات المتّحدة والغرب. وراشمان ربّما كان ألمع كتّاب صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانيّة، وأحد أكثر المتابعين الغربيّين لشؤون آسيا، خصوصاً الصين، التي يعتبر أنّ هذا القرن سيكون قرنها بالمعنى الذي كان فيه القرن العشرون قرناً غربيّاً، أوروبيّاً فأميركيّاً.

من التاريخ نبدأ
الكاتب يبدأ بالتاريخ: فما كان يحصل في أوروبا على مدى قرون خمسة، تبدأ بالكشوفات الجغرافيّة التي انطلقت من البرتغال وإسبانيا، هو ما كان يرسم مصائر البشر في آسيا وأفريقيا والأميركيتين. ولئن ارتكز هذا التفوّق الغربيّ على سيطرة اقتصاديّة وتقنيّة، بالتالي عسكريّة، فإنّ حربين عالميّتين شرعتا تقوّضان ببطء هذه المكانة الأوروبيّة: في الحرب الأولى تنازع أوروبيّون وأوروبيّون كما تصدّعت الإمبراطوريّات العظمى في شرق القارّة ووسطها. لكنْ بعد الحرب الثانية، وخلال النصف الثاني من القرن الماضي، استقلّت الهند عن بريطانيا وأجليت فرنسا عن الهند الصينيّة والجزائر كما غادر الهولنديّون إندونيسيا قبل أن يغادر البرتغاليّون النصف الجنوبيّ من أفريقيا. إلاّ أنّ بروز الولايات المتّحدة بعد الحرب الثانية، وهي ابنة أوروبا وأكبر ثمارها، بصفتها القوّة الأولى في العالم، أطال زمن الهيمنة الغربيّة أو أعاق نهايتها أو موّه تلك النهاية، خصوصاً أنّ الاتّحاد السوفياتيّ كان أيضاً قوّة أوروبيّة، أي غربيّة.
لكنْ على امتداد تلك التحوّلات، كانت تنكمش سيطرة الغرب على الاقتصاد الكونيّ في صورة متعاظمة. وفي الستينات بدأت موجة أولى من «التشريق» هبّت من اليابان ثمّ كوريا الجنوبيّة، وفي السبعينات راحت تايوان وسنغافورة وتايلندا، ثمّ ماليزيا، تتقدّم. بيد أنّ هذه الدول، بما فيها أهمّها، اليابان، بعدد سكّانها البالغ في التسعينات 120 مليوناً، ليست قادرة على قلب التوازنات الاقتصاديّة للعالم، وهذا فضلاً عن صلتها السياسيّة والاستراتيجيّة بالغرب الذي هو، بمعنى ما، صانعها في شكلها الحديث، وذلك منذ احتلّها الأميركيّون ووضعوا لها دستور الجنرال ماك أرثر بُعيد هزيمتها في الحرب الثانية.
أمّا مع الثمانينات، فبدأ الأمر يختلف بصعود الصين والهند، وكلّ منهما يزيد عدد سكّانها على البليون نسمة.

الاقتصادات الأكبر
لقد ظلّت الولايات المتّحدة، منذ سبعينات القرن التاسع عشر، صاحبة الاقتصاد الأكبر عالميّاً، غير أنّ الخمسين سنة الماضية بدأت تسجّل تآكل هذه القوّة، وكان أوّل المنعطف الكبير انتقال التحوّلات الاقتصاديّة إلى الصين ابتداء بـ1979، في ظلّ تولّي دينغ هشياو بنغ قيادتها والانعطاف بها عن الماويّة. وفي 2014 اعتبر صندوق النقد الدوليّ أنّ الاقتصاد الصينيّ، لا الأميركيّ، بات الأكبر عالميّاً إذا ما قيس الأمر بالطاقة الشرائيّة. وبالقياس نفسه، وهو موضوع خلافيّ بين الاقتصاديّين، باتت ثلاثة من الاقتصادات الأربعة الأكبر في العالم آسيويّة: الصين أوّلاً والهند فاليابان ثالثاً ورابعاً، وبينها تنحشر الولايات المتّحدة في الموقع الثاني.
فإذ انتقل الاقتصادان الصينيّ والهنديّ في الثمانينات إلى اعتماد استراتيجيّات رأسماليّة تركّز على تنمية التصدير، بعد الحقبتين الماويّة والنهرويّة– الأنديرية، بتنا أمام النقلة النوعيّة الجبّارة، بحيث انكمشت، ما بين 2001 و2010، حصّة الغرب في الاقتصاد العالميّ بنسبة العُشر، أي بما يفوق مجموع التراجع الذي حصل في الأربعين سنة السابقة على ذاك التاريخ. هكذا انطلقت السيرورة على النحو الآتي: في 1990 شكّل الاقتصاد الصينيّ 6 في المئة من الاقتصاد الأميركيّ، لكنّه صار في 2000 يشكّل 12 في المئة منه، وفي 2008 30 في المئة، وفي 2011 50 في المئة...
وتأتي الصين دوماً في المرتبة الأولى، لا سيّما في ظلّ تفوّقها على اليابان التي يضمر ويشيخ عدد سكّانها فيما تُغرقها الديون، وعلى الهند التي لا يزال شوطها لتذليل الفقر أطول من الشوط الصينيّ. فقبل عشرين عاماً كانت الولايات المتّحدة السوق الأهمّ لمعظم الاقتصادات الآسيويّة الكبرى، كما كانت استثمارات الشركات اليابانيّة أكبر الاستثمارات الأجنبيّة في جنوب شرقي آسيا. وتلك أيّام ولّت، إذ الصين اليوم الشريك التجاريّ الأهمّ لكوريا الجنوبيّة واليابان وأستراليا ومعظم بلدان المنطقة تلك. وهي حاليّاً سوق التصدير الأكبر لـ43 بلداً في العالم فيما الولايات المتّحدة سوق التصدير الأكبر لـ32 بلداً فحسب. وأخيراً، وفي دراسة له، توقّع «مجلس الاستخبارات الوطنيّ الأميركيّ»، الذي يشمل جميع الأجهزة الأمنيّة بما فيها «وكالة الاستخبارات المركزيّة» (سي آي أي)، أنّه «في 2030، ستتجاوز آسيا الولايات المتّحدة وأوروبا مجتمعتين في القوّة الكونيّة لجهة ارتكازها على النواتج المحلّيّة العامّة وحجم السكّان والإنفاق العسكريّ والاستثمار التقنيّ» مأخوذةً معاً.

أثينا وإسبارطة
بيد أنّ القفزات المتتالية التي راحت الصين تحقّقها، مع اعتناقها الاقتصاد الرأسماليّ وانفتاحها على الخارج، لم تجعلها منافساً اقتصاديّاً للولايات المتّحدة فحسب، بل جعلتها أيضاً منافساً سياسيّاً واستراتيجيّاً. هكذا يتبدّى أنّ العالم بات أمام احتمال صدام كبير في آسيا– الباسيفيكيّ تتكرّر معه التجربة التي سبق للتاريخ أن استعرضها مراراً: قوّةٌ ناشئة تطمح إلى إزاحة القوّة السائدة المنهكة، وقوّة سائدة تنوي الحدّ من صعود القوّة الناشئة. وبحسب المؤرّخ غراهام أليسون، فمنذ 1500، انتهت 12 من أصل 16 حالة كهذه بالحرب، وهو ما يستخدم في وصفه تعبير «فخّ ثوسايديدس»، حيث رأى المؤرّخ اليونانيّ القديم أنّ حرب أثينا وإسبارطة في القرن الخامس قبل الميلاد إنّما سبّبها خوف إسبارطة من صعود أثينا. وبدورها، لن يكون سهلاً على الولايات المتّحدة أن تتخلّى عن موقعها كقوّة آسيويّة– باسيفيكيّة جبّارة، بعد انخراطها العميق والحاسم في تلك المنطقة إبّان الحرب العالميّة الثانية، ثمّ خوضها حربي كوريا وفيتنام، فضلاً عن إبقائها حتّى اليوم 50 ألف جنديّ في اليابان. وهذا ما يدفع الصين لأن تسرّع تطوير قوّتها البحريّة بحيث تتجاوز القوّة الأميركيّة التي لا تزال الأولى، فضلاً عن بناء القواعد العسكريّة في جزر لا يزال الكثير منها موضع تنازع وخلاف مع بلدان أخرى.
فالبحر، في آخر المطاف، سيكون المسرح المرجّح لأيّة مواجهة قد تطرأ بين الطرفين الصينيّ– الأميركيّ. ذاك أنّ الصينيّين الذين يخوضون هناك سباق تسلّح ضارٍ، يشاركهم إيّاه معظم الدول الآسيويّة على تفاوت في النُسب، يدركون الأهميّة الاستراتيجيّة الفائقة لمضيق ملقا: فتماماً كما تربط قناة باناما الساحل الشرقيّ للولايات المتّحدة بالباسيفيكيّ، يربط المضيق المذكور المحيطين الباسيفيكيّ والهنديّ، ويُعتبر سبيل الصين للتزوّد بإمدادات الطاقة من الشرق الأوسط وأفريقيا، علماً أنّ نقطة العطب الأبرز في الاقتصاد الصينيّ هي الاعتماد على واردات تصل عبر البحر، أهمّها النفط.
بيد أنّ التأزّم الأميركيّ– الصينيّ هذا يتغذّى على عنصرين أساسيّين: فمع وصول شي جايبينغ إلى زعامة الحزب الشيوعيّ والدولة الصينيّين في 2012، تعاظمت النبرة القوميّة في خطاب الصين وسلوكها، وذلك تحت شعار «إعادة تجديد» القوّة الصينيّة. حصل هذا بعدما اتّسمت الحقبة السابقة بقدر من الانكفاء والميل التصالحيّ الذي يؤثر تأمين أجواء ملائمة وغير متوتّرة تحيط بقفزات الصين الاقتصاديّة، وهو ما أسماه الصينيّون «الصعود السلميّ». وسلوك كهذا لا يُعدم أصوله في الحساسيّة التاريخيّة للصينيّين حيال الأجانب والمهانات التي أنزلوها ببلدهم كما بالهند واليابان. فوفقاً للأيديولوجيا الصينيّة السائدة، عانى البلد «قرناً من الإذلال» الغربيّ قبل أن «ينقذه» الحزب الشيوعيّ في 1949. وفي عموم آسيا، يتّضح عمق التعبير عن هذا الشعور في تغيير أسماء البلدان والمدن. ففي الهند، وابتداء بـ1995، أصبحت بومباي مومباي، وفي 1996 صارت مدراس شِنّاي، وفي 2001 انقلبت كلكوتّا إلى كولكاتا، ممّا يُفترض أنّه استعادة لأسماء أصليّة سابقة على الحقبة الكولونياليّة. لا بل سبق أن غُيّرت أسماء بلدان فصارت بورما، في 1989، ميانمار، بعدما كانت سري لانكا السبّاقة في 1972 حين تخلّصت من اسم سيلان.

ضعف أوباما؟
لكنّ العنصر الثاني يطاول نقاط الاحتكاك الفعليّ بين الصين والولايات المتّحدة، وهو احتكاك جعلته رئاسة باراك أوباما (المولود في هونولولو والذي عاش أربع سنوات في إندونيسيا) أكثر حدّة. ذاك أنّ الأخير هو الذي أعطى الأولويّة في التركيز الأميركيّ لمنطقة آسيا– الباسيفيكيّ، مدفوعاً بالجاذبيّة الاقتصاديّة النامية هناك مقابل الشرق الأوسط الذي اعتبره متراجعاً على الأصعدة جميعاً، كما صنّفه حقلاً من الأزمات المعقّدة التي تعجز أميركا عن حلّها فيما تتهدّد طاقاتها بالاستنزاف. غير أنّ العمل على تجنّب التورّط في الشرق الأوسط لا يلغي احتمالات تورّط أكبر في آسيا– الباسيفيكيّ: فهناك الالتزام الأمنيّ الأميركيّ حيال اليابان التي تربطها خصومة بالصين موضوعها ملكيّة جزر غير مأهولة في بحر الصين الشرقيّ، يسمّيها الصينيّون جزر سينكاكو، واليابانيّون جزر ديوايو. ولا يستبعد الكاتب أن يتحوّل هذا النزاع، في حال انفجاره، إلى ما كانته سراييفو في 1914 حين اغتيل فيها الأرشيدوق فرانز فرديناند. ثمّ إنّ الخلاف الصينيّ– اليابانيّ تغذّيه ذاكرة الاحتلال والامتهان اليابانيّين للصين في الثلاثينات ثمّ في الحرب العالميّة الثانية، والتي لا تقلّ حمولتها العدائيّة عن تلك التي تنضوي في الذاكرة الصينيّة حيال الغرب. وهناك أيضاً مسألة تايوان التي يقدّر البعض أنّ غزوها أحدُ استهدافات البناء العسكريّ للصين التي تشعر أنّها لا تُستكمل كأمّة ووطن من دونها. وأخيراً تبقى السيطرة على الشطر الغربيّ من الباسيفيكي أمراً حارّاً ومُلحّاً في بكين كما في واشنطن.
لكنّ الأوباميّة، من جهة أخرى، هي لحظة التآكل في القدرة الأميركيّة على التأثير في العالم تبعاً لتركّز الثراء في آسيا على نحو متعاظم، أكثر ممّا تبعاً لأوباما وقيادته. فالأدقّ قوله بالتالي أنّ ضعف أوباما هو انعكاس لضعف أميركا المستجدّ، بدل القول السائد من أنّ أوباما هو مَن أضعف أميركا. فبشكل مختلف عبّر دونالد ترامب عن استشعار هذا الضعف، لا سيّما حيال الصين التي واجهها، منذ البداية، بنبرة عدوانيّة، وإن لم ينتج عنها إلاّ الضجيج الذي يتلوه تراجع. لكنْ قبل فوز ترامب، كان بيرني ساندرز قد عبّر عن نزعة حمائيّة، تنمّ بدورها عن انقلاب الموازين الاقتصاديّة كونيّاً، وهي النزعة التي اضطرّت أن تتبنّاها المرشّحة هيلاري كلينتون في حملتها الانتخابيّة.
واليوم تبدو الصين المسؤول الأوّل عن حال الاقتصاد العالميّ وعن معالجة بؤر التوتّر التي قد ترتّب آثاراً اقتصاديّة ضارّة. فهي المدافع الأبرز عن حريّة التجارة، كما ظهر في قمّة دافوس الأخيرة، وهي صاحبة المشروع المعروف بـ «الحزام والطريق»، حيث تعهّدت إنفاق عشرات بلايين الدولارات كاستثمارات في البنى التحتيّة للبلدان التي كان يعبرها «طريق الحرير» القديم، معيدةً إنشاء الطرق التجاريّة القديمة بين الصين وجيرانها إلى الغرب، في آسيا الوسطى والجنوبيّة. وهي أيضاً الحريصة على نظافة البيئة والمؤيّدة لاتفاقيّة باريس. وإلى هذا، فحين يصعّد ترامب ضدّ كوريا الشماليّة، تتصرّف الصين بصفتها الطرف العاقل الذي يمتصّ احتمالات الصدام الكارثيّ.
وحيال التنافر المتصاعد بين عملاق الأمس وعملاق اليوم، استطاعت الصين أن تحقّق مكاسب سياسيّة فعليّة، فضلاً عن المكاسب التجاريّة، مكرّسةً تحالفاتها مع بلدان كباكستان، الخائفة من الهند، أو ككمبوديا ذات المخاوف التقليديّة من فيتنام، وكذلك مع لاوس وكوريا الشماليّة، وكلّها بلدان مثقلة بالفقر، ولكنْ أيضاً متلاعبةً على حياد بعض الدول تجاه خلافها مع الولايات المتّحدة. ففي حالة تايلندا مثلاً، تستثمر بكين في انزعاج الغرب من انقلاب 2014 العسكريّ وتردّي حقوق الإنسان ممّا لا تعيره الصين أيّ اهتمام، والشيء نفسه يصحّ في الفيليبين التي قرّبها الرئيس دوتيرتي من بكين، على رغم العداء التقليديّ، وذلك ردّاً على استياء الدول الغربيّة من سجلّه في حقوق الإنسان. وفي حالة سنغافورة تخاطب الصين كونفوشيوسيّتها وما تتضمّنه من تحفّظات ثقافيّة وأخلاقيّة صارمة على القيم الليبراليّة الغربيّة «المائعة». وعلى العموم، تستشعر هذه البلدان الحياديّة بأنّ الولايات المتّحدة، المتردّدة والمرتبكة، قد تكون أقلّ قدرة من الصين على حمايتها، فيما لو انفجرت بينهما أزمة كبرى ما.

ضعف الغرب
وتطول اللائحة التي يمكن إدراجها تحت عنوان ضعف الغرب والتي تصلح للتوظيف الصينيّ: فالتباعد الأميركيّ– الأوروبيّ في ظلّ ترامب يُضعف فكرة «الغرب» الموحّد، لا سيّما وقد ظهر هذا التنافر بعد أزمة 2008 الماليّة التي ضربت نموذجيّة الغرب كمرجع تقليد، فيما بدا التأثّر الصينيّ بها محدوداً وعابراً. وفي الشرق الأوسط، تحطّمت الصياغة الغربيّة للمنطقة المذكورة بعد «الربيع العربيّ»، خصوصاً بعد «داعش»، بينما انكشفت محدوديّة القدرة الأميركيّة في سوريّة عام 2013، وهذا قبل أن يتدخّل الروس في 2015 دعماً لنظام بشّار الأسد المتداعي. وفي أفغانستان، وعلى رغم الجهود الحربيّة الكبيرة التي بذلتها الولايات المتّحدة وحلف الأطلسيّ، لم يمكن القضاء على «طالبان» التي قد ينتهي الأمر إقراراً بشرعيّتها.
أمّا روسيّا فجاء احتلالها شبه جزيرة القرم في 2014 ليشكّل أوّل إلحاق ترابيّ يحصل عسكريّاً في أوروبا ما بعد 1945. والأمر، هنا، لا يخلو من عنصر أيديولوجيّ: فبعد النظر إلى الغرب كنموذج مرتجى في سنوات ما بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ، انفجرت على نحو موسّع الأفكار السلافيّة القديمة التي تؤكّد الملامح الآسيويّة للهويّة الروسيّة، ابتداء بالميراث المونغوليّ وليس انتهاء بالعمق الجغرافي الآسيويّ. وشيء مشابه حصل في تركيّا في العقد الماضي. فالدولة التي انضمّت إلى الناتو في 1951 لم تعد تملك الحماسة التي تدفعها إلى العمل لإتمام الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ. ومع الجرعة الإسلاميّة المرتفعة التي يمثّلها رجب طيّب أردوغان، بات التنافر السياسيّ والإستراتيجيّ يتغذّى على تنافر أيديولوجيّ أيضاً. حتّى في أفريقيا، من إثيوبيا والسودان في الشرق إلى جنوب القارّة، هناك ارتياح إلى النموذج الصينيّ الذي لا تفرض العلاقة به أيّة قيود في ما خصّ الفساد أو الالتزام بمعايير حقوق الإنسان.
كذلك أطلق التفاوض مع إيران حول «الملفّ النوويّ الإيرانيّ» نشاط طهران التدخّليّ والتوسّعيّ في بلدان مجاورة عدّة على نحو يجافي نفوذ أميركا ومصالحها، فيما أساء ذاك الملفّ وتداعياته إلى علاقاتها بحلفاء وطيدين كإسرائيل أو بلدان الخليج، ممّن تراجعت ثقتهم بقابليّتها للحماية، أو بقدرتها على توفيرها، فاتّجهوا إلى عقد صلات، وتطوير أخرى، بقوى آسيويّة كالصين وروسيا والهند وباكستان. وهي وجهة قد تنعكس مزيداً من الإضعاف للعلاقات الأميركيّة– الخليجيّة إذا ما قاد النفط الصخريّ في الولايات المتّحدة إلى تقليل الاهتمام بنفط الشرق الأوسط.
وهذا كي لا نضيف التخبّط الترامبيّ في البيت الأبيض، أو الأزمة السياسيّة والاقتصاديّة الأوروبيّة التي تطرح أسئلة متزايدة حول شرعيّة الاتّحاد الأوروبيّ، خصوصاً بعد استفتاء بريكزيت البريطانيّ وتعاظم الحركات الشعبويّة والقوميّة على امتداد القارّة.
وما لا شكّ فيه أنّ أوضاع الولايات المتّحدة تبقى، على رغم كلّ شيء، أسلم وأمتن من أوضاع البلدان الأوروبيّة، إلاّ أنّ بعض اعتلالها عائد أيضاً إلى اعتلال حلفائها وإلى ضعفهم السياسيّ والاستراتيجيّ. ففي أوروبا كما في آسيا، تنكمش مساهمات الحلفاء الماليّة في الدفاع المشترك، وهو ما يفسّر بعض الصراخ الترامبيّ في المطالبة برفع تلك المساهمات والتشكيك بجدوى الناتو، بينما تمارس دول كبرى كبريطانيا وفرنسا خفضاً متواصلاً لأحجام قوّتهما العسكريّة.
لقد رتّب فشل التورّط في أفغانستان، عبر الناتو، الكثير من التحفّظات حول أيّ دور عسكريّ خارج القارّة. لا بل حتّى داخل القارّة، يرنو الأوروبيّون إلى الأميركيّين بصفتهم الطرف القادر على ردع الروس، تكراراً منهم للتدخّل الذي حسم حرب البوسنة في التسعينات. ولئن كانت ألمانيا لا تزال الحالة الأكثر صحّيّة على الأصعدة جميعاً، فاللافت هو عزوفها، بسبب تجارب الماضي وعِبره، عن الأدوار الكبرى خارج حدودها، السياسيّة منها وخصوصاً العسكريّة. أمّا بلد أوروبيّ مركزيّ كإيطاليا، فتجعله أزمته الاقتصاديّة المتفاقمة خارج الحسابات جميعاً.
والشرق الأوسط، وفقاً لجدعون راشمان، لعب ويلعب دوراً ملحوظاً في إضعاف قوّة أميركا والغرب ممّا يُترجَم تجرّؤاً صينيّاً عليهما. فبعد فشل حربي جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان، جاء «الربيع العربيّ» ليسجّل أنّ القوى الديموقراطيّة والحديثة التي راهن الغرب عليها هي الأضعف في مجتمعاتها: فلا وائل غنيم رمز الثورة الفعليّ في مصر، ولا محمّد البرادعي رئيس الجمهورية الثوريّة الجديدة. وفضلاً عن صورة الضعف التي ألحقها بأوباما تخاذله أمام الأسد في سوريّة، تلاقى الخصمان الإسلاميّ والعسكريّ في مصر عند التشهير بالولايات المتّحدة لأسباب مختلفة. وكانت ثالثة الأثافي مقتل السفير الأميركيّ في ليبيا. لقد اندفع أوباما، ذو النزوع الآسيويّ، بكثير من التردّد إلى الشرق الأوسط، متأثّراً أساساً بـ «الربيع العربيّ» والأفق الجديد الذي تراءى أنّه يفتحه، كما بديبلوماسيّة جون كيري الذي حلّ محلّ هيلاري كلينتون في وزارة الخارجيّة، مراهناً على حلّ النزاع الإسرائيليّ– الفلسطينيّ. بيد أنّ هذا التورّط سريعاً ما ارتدّ إلى موقع دفاعيّ بحت محكوم ببند أوحد هو مكافحة الإرهاب الإسلاميّ.

ضعف الصين
لكنّ الصين تعاني، إلى ذلك، من نقاط ضعف هائلة قد تقطع عليها طريقها إلى القمّة، إن لم تؤدّ، وفقاً لأكثر النقّاد تشكّكاً بتجربتها، إلى انهيار سلطتها المركزيّة نفسها. فهناك أساساً الفساد الذي تشاركها إيّاه الهند، ويحتمي بعضه بمقدّمات في الثقافة القديمة والتراتبيّة الموروثة. وبما أنّ التأثيرات السلبيّة للفساد أضحت تهدّد قيادتها الاقتصادَ المعولم، نفّذ زعيمها كشي حملة مضادّة استهدفت أكثر من مليون شخص متورّط. وهناك طبعاً مسألة الديموقراطيّة وحقوق الإنسان التي تعاظم انتهاكها في السنوات القليلة الماضية، مع ما رافق، ويرافق، ذلك من تطوير لتقنيّات الحجب والضبط للتواصل الاجتماعيّ ممّا يُخلّ بريادتها المأمولة للعصر ما بعد الصناعيّ. وهذا مع العلم أنّ إعادة هونغ كونغ إلى البرّ الصينيّ في 1997، بتراثها «البريطانيّ» في الديموقراطيّة، يمنح الحركة الديموقراطيّة في الصين زخماً أكبر وقاعدة أوسع وأنشط وأشدّ خبرة. ويبقى أنّ نظام الصين غير الديموقراطيّ، على عكس مثيليه الهنديّ واليابانيّ، يضاعف دائماً الخشية من تحوّلها، في أيّ وقت يبدو ملائماً لذلك، إلى بلد أقلّ سلميّة وأكثر تهديداً لجوارها وللعالم. إلاّ أنّ لا ديموقراطيّة ذاك النظام، وافتقاره إلى قيم كونيّة يتقبّلها الآخرون نموذجاً لهم، بالتالي اصطباغ سياساته الخارجيّة بقدر مدهش من الانتهازيّة، لم تحظ بما تستحقّه من هجاء الكاتب، وإن حظيت بإشارات تخلّلت كتابه.
بيد أنّ أكثر ما ينبّه إلى ضعف الصين، وهذا ما يصعب إخفاؤه، هو علاقتها بذاك الجوار الآسيويّ. فهي، بسبب خليط من الأسباب الحدوديّة والتاريخيّة، تثير المخاوف في بلد كبير هو فيتنام (17 حرباً في التاريخ بينها وبين الصين)، وتقليديّاً وشعبيّاً في الفيليبين (على رغم توجّهات نظام دوتيرتي)، وكذلك في بلد كبير آخر على درجة بعيدة من الاستقرار الديموقراطيّ هو أستراليا، فيما تتخوّف كوريا الجنوبيّة من علاقة بكين المتينة بكوريا الشماليّة. إلاّ أنّ المشكلات الأكثر حدّة وخطورة تبقى مع البلدين الأقوى، أي اليابان والهند (التي خاضت مع الصين حرباً في 1962). وهؤلاء جميعاً لا يكتمون الخوف من تنامي القوّة العسكريّة الصينيّة. لا بل هناك نقاط قوّة قابلة أن تنقلب نقاط ضعف: ففي إندونيسيا مثلاً، وهي أيضاً تملك مخاوفها من بناء الصين للقواعد العسكريّة في الجزر، ثمّة أقلّيّة صينيّة ضخمة هي أشبه بلوبيّات مؤثّرة لخدمة التقارب مع الصين. غير أنّ النزاع الإسلاميّ– الصينيّ في إندونيسيا، والذي أُوّلت تصفية الحزب الشيوعيّ الإندونيسيّ أواسط الستينات كتعبير عنه، يجعل كلّ انحياز إلى الصين سبباً لتفجّر النزاع الأهليّ الضامر. والأمر نفسه يصحّ في بلد كماليزيا حيث العلاقات الأهليّة المالاويّة المسلمة– الصينيّة مشبعة بأسباب التوتّر والمخاوف.
وعلى عكس الغرب، حيث يمكن الحديث عن «حلف» هو الناتو، وحيث الحوار دائر حول إقناع الولايات المتّحدة الترامبيّة بضرورته، وحول رفع المساهمات الماليّة للحلفاء بهدف الإبقاء عليه، فالمؤكّد أنّ التناقضات الآسيويّة تجعل الكلام عن «حلف شرقيّ» أقرب إلى المستحيل. فالصين، قياساً بالاتّفاقات الرسميّة، لا تملك إلاّ حليفاً واحداً «كاملاً» هو كوريا الشماليّة. وفي مقابل مطالبة الغربيّين بأن تكون أميركا قويّة، فإنّ قوّة الصين ليست سوى مدعاة لخوف الشرقيّين الآخرين. وهذا فضلاً عن عدم استقرار يضع الصين في جوار نزاعات، قد تنقلب نوويّةً، بين الهند وباكستان أو في ما خصّ كوريا الشماليّة، وهو بالطبع ممّا يخلو منه العالم الغربيّ.

ضمانات السلام؟
والكاتب المنحاز إلى «التشريق» لا ينفي المصاعب الكبيرة في وجه الصين وآسيا، لكنّه يذكّر بأنّ الصعود الأميركيّ نفسه ترافق مع حروب كالحرب الأهليّة في الولايات المتّحدة كلّفت مئات آلاف القتلى، ومع مواجهات وخضّات، حربيّة واقتصاديّة، لا حصر لها. وبالمعنى نفسه، تجاوزت الصين محنة ساحة تيان آن مين، كما تجاوزت الاقتصاداتُ الآسيويّة أزمة 1997 الماليّة ماضيةً في خطّها الصاعد.
وفي النهاية قد تكون الضمانة الأقوى للسلام في منطقة آسيا– الباسيفيكيّ أنّ أيّة حرب أو أزمة كبرى بين بلدان الاقتصادات الأكبر في العالم إنّما تعني تدمير الاقتصاد العالميّ برمّته. وهذا فضلاً عن مصالح مشتركة كثيرة، بعضها اقتصاديّ وتجاريّ أمكن تحييدها عن السياسة، وبعضها بيئيّ، وبعضها الثالث يتّصل بمكافحة التطرّف النضاليّ الإسلاميّ. فليس محتّماً علينا أن يكون يومنا هذا تكراراً لما حصل في أثينا وإسبارطة قبل ستّة وعشرين قرناً. إلاّ أنّ عقلانيّة كهذه قد لا تشكّل عاصماً راسخاً أمام الصعود القوميّ المتعدّد الأضلاع. فالزعماء الآسيويّون الثلاثة الذين تولّوا السلطة في بلدانهم في الفترة نفسها، أي بين 2012 و2014: كشي جينبينغ، أمين عام الحزب الشيوعيّ الصينيّ، وشينزو أبي، رئيس حكومة اليابان، وناريندرا مودي، رئيس حكومة الهند، تجمع بينهم القوميّة المتشدّدة والإمعان في استنهاض تواريخ العداء ورموز النزاع مع البلدان الأخرى وإذلالها. وقد شهدت سنوات العهدين الأوباميّين محاولات لإنشاء حلف مناهض للصين أفشلتها المبالغات القوميّة. فاليابانيّون، مثلاً، في إصرارهم على روايتهم «البريئة» والمتفاخرة عن الحرب العالميّة الثانية، والمنكرة للفظاعات التي ارتكبوها، نفّروا الكوريّين الجنوبيّين من ضحاياهم.
والحال أنّ شينزو أبي حفيد وتلميذ لنوبوسوكي كيشي، الذي أشرف على إدارة منشوريا المحتلّة في الحرب العالميّة الثانية، ثمّ سُجن ثلاث سنوات بعد الهزيمة اليابانيّة بصفته مجرم حرب (وإن أعاد لاحقاً ترميم صورته ليتولّى رئاسة الحكومة بين 1957 و1960). أمّا المناضل القوميّ الهندوسيّ ناريندرا مودي فكان رئيس حكومة ولاية غوجارات إبّان مذبحة 2002 التي حلّت بالمسلمين، وقد حالت مسؤوليّته هذه دون حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتّحدة، الشيء الذي استمرّ حتّى تولّيه رئاسة حكومة الهند في 2014.
وحالات كتلك ستبقى عرضة للتأمّل في عهد دونالد ترامب الذي قد يفوق أوباما براعة في التعامل مع هذا الصنف من القادة، من غير أن يفوقه براعة في إنشاء الأحلاف وتفعيلها. وقد يقول واحدنا في ما خصّ مستقبل «التشريق»: من يعش ير. لكنّ المؤكّد أنّه حتّى لو صحّت الصرخة الماويّة من أنّ «ريح الشرق تهزم ريح الغرب»، فإنّ الشرق الذي قصده ماو ليس الصين والهند الرأسماليّتين واللتين، للأسف، تتنافسان على التوصّل إلى أفضل العلاقات مع... إسرائيل!