أميركا والسعودية... ومحاولات احتواء انتصارات محور المقاومة

حسن حردان

تتركز الحركة السياسية والدبلوماسية الأميركية السعودية هذه الأيام على العمل لأجل احتواء انتصارات محور المقاومة في العراق وسورية، وبالتالي الحدّ من تنامي نفوذه والحيلولة دون تمكّنه من استثمار وتوظيف هذا الانتصارات في تكريس معادلات جديدة تضعف هيمنة الولايات المتحدة في «الشرق الأوسط» وتحدّ كثيراً من الدور الرجعي الخطير الذي لعبه ولا يزال حكام السعودية في محاربة المقاومة العربية والأنظمة التقدمية التحرّرية التي تدعمها وتقف سداً منيعاً في مواجهة مشاريع الهيمنة الاستعمارية الغربية ومشاريع التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، وفرض صفقات استسلامية لمصلحته تقضي بتصفية قضية فلسطين وتمكينه من التسيّد على المنطقة وجعل وجوده الاحتلالي وجوداً شرعياً.

وتجسّدت هذه الحركة الأميركية السعودية أخيراً من خلال:

أولاً: شنّ حملة سياسية مركزة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية واتهامها بالتدخل في شؤون الدول العربية في سورية والعراق واليمن ولبنان ودول الخليج وتهديد الأمن والاستقرار فيها، وإرفاق ذلك بفرض عقوبات أميركية جديدة طالت هذه المرة الحرس الثوري الإيراني والنظام الصاروخي الباليستي الذي يشكل قوة ردع مهمة لأيّ عدوان أميركي صهيوني محتمل.

ثانياً: زيادة منسوب الحملة على المقاومة في لبنان وتصويرها على أنها تحلّ مكان سلطة الدولة اللبنانية وتمكّن إيران من الهيمنة على لبنان. وهو أمر مناف للحقيقة، حيث أنّ المقاومة التي حرّرت الأرض من العدو الصهيوني والإرهاب التكفيري هي التي مكّنت الدولة من استعادة سلطتها في هذه المناطق وجعلتها تعود لممارسة سلطاتها فيها. أما إيران فإنها ما فتئت تقدّم الدعم للبنان ومقاومته وتؤكد على دعم وحدته وسيادته ورفض ايّ تدخل خارجي في شؤونه الداخلية.

ثالثاً: قيام وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بجولة في بعض دول الشرق الأوسط بدأها من السعودية في سياق خطة أميركية لتشكيل محور إقليمي لمواجهة تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، ولوحظ تصويب تيلرسون على فصائل الحشد الشعبي في العراق عبر ادّعاء أنها ميليشيات إيرانية يجب أن تنسحب من العراق، وقد تزامن ذلك مع وجود رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في الرياض واجتماع المجلس التنسيقي العراقي السعودي لتحسين وتعزيز العلاقات الثنائية عشية هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في العراق. وهذا الاتهام سرعان ما لاقى رداً عنيفاً عراقياً إيرانياً انطلاقاً من أنّ قوات الحشد الشعبي قوات عراقية وتتبع لأمر رئيس الحكومة العراقية، فيما وجود المستشارين الإيرانيين إنما هو بطلب من الحكومة العراقية في سياق المساعدة على محاربة تنظيم داعش الإرهابي، ولهذا فإنّ الاتهامات الأميركية باطلة وتشكل تدخلاً سافراً في شؤون العراق ومحاولة مكشوفة لفرض الإملاءات والوصاية عليه. في حين أنّ تنامي قوة إيران ناتج عن دعمها للمقاومة ضدّ الاحتلال ومساندتها سورية والعراق ضدّ قوى الإرهاب المدعومة أميركياً وسعودياً. وهذا مؤشر واضح على أنّ من عمل ويعمل على التدخل في شؤون الدول العربية وزعزعة الاستقرار وبث الفوضى هو حكام أميركا والسعودية وليس إيران.

رابعاً: التحرك الأميركي لدعم إقامة مجالس محلية في شرق سورية ترتبط بقوات الاحتلال الأميركية في سياق خطة لاستخدامها ورقة ضغط على الدولة الوطنية السورية ومحاولة ابتزازها ودفعها لتقديم تنازلات للولايات المتحدة مقابل التخلي عن دعم هذه المجالس المحلية. مما يكشف أنّ أميركا تتدخل في شؤون سورية الداخلية وتحرّض قوى محلية على التمرّد على الدولة السورية وتشجيعها على السير في مخططها التقسيمي غير القابل للحياة في ظلّ إصرار الدولة السورية، مدعومة من حلفائها في محور المقاومة وروسيا، على استعادة سيطرتها على كامل الأرض السورية.

لكن السؤال المطروح على ضوء ذلك هو:

هل ستنجح أميركا والسعودية في تحقيق مرادهما؟

انّ ايّ متابع ومدقق في مسار الأحداث والتطورات يدرك بأنّ أميركا والسعودية ومعهما أيضاً كيان العدو الصهيوني أصبحوا أضعف مما كانوا عليه قبل استخدام سلاحهم الاحتياطي من قوى الإرهاب التكفيري للسيطرة على العراق وسورية، فبعد أن فشلوا في تحقيق أهدافهم عبر حربهم الإرهابية وباتت قواهم الإرهابية على أعتاب لفظ أنفاسها الأخيرة في العراق وسورية، لم يعد لديهم من سلاح لم يتمّ استخدامه للقضاء على دول وقوى المقاومة، ولم ينجحوا، فهم استخدموا القوة العسكرية الأميركية في احتلال العراق وفشلوا، وخرجت جيوش الاحتلال الأميركي الغربي مهزومة خالية الوفاض، واستخدموا القوة العسكرية الصهيونية عام 2006 واخفقوا، واستخدموا الحصار والعقوبات لعزل إيران والمقاومة وفشلوا، واستخدموا الفتن عبر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ولم يتمكّنوا من إشعال الفتنة ونزع سلاح المقاومة، وحشدوا جيوش الإرهابيين من كلّ دول العالم وهُزموا، واليوم لم يعد لديهم سوى إطلاق التهديدات الجوفاء والعودة إلى استخدام أسلحة الحصار التي لم تحصد منها واشنطن سوى الخيبة، وباتت الدول الغربية الحليفة لها ترفضها بشدة باعتبارها غير مجدية وتتناقض مع الاتفاق النووي الذي أصبح اتفاقاً دولياً لا يمكن لأميركا إلغاؤه. أما محاولة العودة إلى شنّ الحروب المباشرة فإنها لا تعدو سوى مغامرة خطرة تهدّد بالخطر الوجود العسكري الأميركي في كلّ المنطقة عدا عن أنها ستلحق أفدح الخسائر بكيان العدو الصهيوني، لأنه بالقدر الذي تراجعت فيه قوة المحور الأميركي الصهيوني وبات أضعف واعجز من ربح ايّ حرب يخوضها، وقدرته على تمويل حرب واسعة ومكلفة، بالقدر الذي أصبح فيه محور المقاومة أقوى وأكثر قدرة على مقاومة أيّ عدوان وتكبيده خسائر كبيرة مادياً وبشرياً، فيما السعودية التي اعتمدت عليها أميركا لتمويل حربها الإرهابية أصبحت غارقة في حرب استنزاف من العيار الثقيل في اليمن وهي فشلت في تحقيق أهدافها ما عدا تدمير اليمن وارتكاب المجازر الوحشية ضدّ الشعب اليمني. أما أميركا فإنها لاتزال تئنّ من تكاليف حربها في العراق وأفغانستان والتي تجاوزت حتى اليوم الستة تريليونات من الدولارات، وهي تعاني من دين بلغ عتبة الـ 20 تريليون دولار وعجز في الموازنة وصل إلى 666 مليار دولار، مما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التأكيد خلال حملته الانتخابية وبعد وصوله إلى البيت الأبيض بأنه ليس في وارد خوض حروب جديدة، وانّ أميركا بحاجة إلى المال لإنعاش اقتصادها المتعثر وإصلاح بنيتها التحتية المهترئة، مطالباً الحلفاء بدفع ثمن الحماية التي وفرتها لهم الولايات المتحدة في الماضي، وهو ما حققه من خلال حصوله على مئات المليارات من السعودية تحت عناوين صفقات سلاح واستثمارات في الولايات المتحدة، وقد طار نصف هذه المليارات لتعويض الخسائر التي خلفها إعصار ولاية تكساس.

انطلاقاً مما تقدّم يمكن الاستنتاج انّ أميركا باتت أقلّ قدرة على فرض هيمنتها ومشاريعها الاستعمارية وأضعف من تحمّل تكاليف شنّ حروب جديدة، وكيان العدو الصهيوني أصبح يخاف من التورّط بحرب مع محور المقاومة وهو ما أظهره السجال الأخير بين وزير الأمن الصهيوني أفيغدور ليبرمان وقيادة جيشه، على خلفية تصريحه بأنّ حزب الله هو الذي أطلق قذائف على القوات الصهيونية في الجولان المحتلّ، الأمر الذي سارعت الى نفيه قيادة الجيش الصهيوني، فيما تصدّي الصواريخ السورية لطائرات أف 35 الصهيونية فوق سماء لبنان وإصابة إحداها دفع القيادة الصهيونية بعدها إلى الإعلان أنها لا تريد التصعيد. مع أنها اعتبرت ما جرى تقييداً لحركة الطيران الصهيوني في الأجواء اللبنانية.