العراق المحتل ، خفايا القرار السياسي الكردي


إن خيانة مسعود قد تؤدّي إلى غلق البوابة الوحيدة للقفص الجيوسياسي الكردي. وإن مزاعمه بالنجاح هي أكثر عاراً من الهزيمة التي نجمت عن اصطياده سمكة عفنة في برميل مياه آسن. ولقد دأبت القيادة البارزانية، منذ الأب الملا مصطفى، على تغيير موقفها في المنعطفات وتشكيل خريطة جغرافية تتناسب مع برنامجها السياسي الجديد والذي لا يمكن فكّ ألغازه إلا بالرجوع إلى مفهوم "الكرونو بوليتيكس" والذي يعني عملياً التطابق المدهش بين مسيرة الحدث وتطوّره في زمن ملائم جداً مع التفكير السوقي للقوى المركزية التي لديها القدرات في التحكّم بآفاق الحدث. من هنا فإن الدهشة حول أسباب القرار ستتراجع في سياق تحرير المعرفة من شوائب العامل الشخصي والتأكيد بأن الأحداث هي التي تصنع المؤامرة وليس العكس. ومن دون مبالغة يمكن تلخيص الأغراض البرزانية، وعلى الأقل منذ عام صعود البونابرتية العسكرية 1958، بأنه يتدرّج بالطريقة التالية: أولاً: تغيير الحكومات المركزية للضغط وإضعافها لتقديم التنازلات المطلوبة وعزلها عن الحركة السياسية العامة. ثانياً: تغيير السلطة السياسية، والاهتمام والحرص على وصول سلطة تنسجم مخطّطاتها مع الهدف البرزاني. ثالثاً: تهديم الدولة العراقية والجيش العراقي وتحطيم الدواوينية في المركز والأطراف، وحرق المؤسسات الرسمية والسجلاّت المدنية لكي تبدأ المفاوضات والسِجالات من الصفر مرة ثانية. وأخيراً، وليس آخراً، سلخ ما يمكن من الأراضي العراقية العربية وضمّها إلى المشروع الكردستاني العائلي.
من هنا فإن الاستعانة بالعدو الإسرائيلي نموذجاً، يتماثل في نهب الأرض مع مقولة "بن غوريون " الشهيرة إن حدود المناطق بيننا وبين العرب تتمدّد وتنكمش مثل جلد الغزال وحسب حاجاتنا السوقية. وهو في العلاقة التاريخية يتشابه حتى في أساليب الغدر والاقتناص واستثمار كل الفرص من أجل زيادة النفوذ والزحف الديموغرافي المُنظّم. من هنا يحصل أيضاً التطابق بين الحدث والشعار المناسب لتطورّه خارج إطار التطوّر الحر لتاريخ العراق والمنطقة. ولكن السؤال الجوهري من يتّخذ القرار في حينها؟ بلا ريب إن أميركا وبالذات منذ عام 1972، تأميم النفط العراقي، قد استلمت الملف الكردي، ولكنها حملت الكرد مثلما يحمل الحبل المشنوق. ومن خلال ذلك تناوبت فترات من العناية بالطموحات الكردية وأخرى من الانسحاب وحتى التخلّي السياسي والاجتماعي. والحدث المفصلي في عام 1975، حين اتّفق صدّام حسين مع شاه إيران، هو المنعطف الحاسم الذي يسجله "ديفيد كورن" بالتفاصيل في دراسته الخطيرة، ميدل إيست كوارترلي – حزيران 1994. وكان هو الضابط "السياسي" المُنتدّب من البنتاغون والمشرف على الملف الكردي. ويقول "بأن أثناء وجوده في مستشفى المخابرات المركزية في فيرجينيا، سأل "نجم الدين كريم"، محافظ كركوك حالياً، الطبيب الكردي والملازم للملاّ مصطفى في المستشفى، عن مسعود المرافق لوالده الذي يعاني من سرطان الرئة، فأجابه بأنه ذهب إلى إسرائيل بعد أن تأكّد بأن والده في طريقه إلى مغادرة الحياة. كانت مفاجأة اعتبرها بأن الطريق الذي يسلكه مسعود ستزيد من تعقيدات قضيته.
في عام 1983، وفي طرابلس الليبية، كان هناك مؤتمر قد عُقِد بحضور معظم حركات التحرّر في المنطقة العربية وكان شعاره "الوقوف بوجه القطار الأميركي"!! وكان "إدريس بارزاني" الأخ غير الشقيق والأكبر لمسعود رئيساً للوفد الكردي. وفي حديث صحفي مسجّل ومكتوب، مازال موجوداً لحد الآن، إلى أحد الصحفيين العرب، صرّح "إدريس"، طالباً عدم نشر ذلك، بأن الحركة الكردية قد ألغت شعارها المعروف بالحكم الذاتي أو حتى الاستقلال، وإنما هي الآن منسجمة مع جمهورية إيران الإسلامية في تطبيق الشريعة في نظام الولايات المعروف. وقد وجّه نقداً لاذعاً للقيادة الطالبانية ومواقفها الانقسامية ولاسيما تحالفها مع نظام صدّام حسين. وقبل انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وفي شهر كانون الثاني 1987 توفى "إدريس" بغتة وبعدها بأشهر قليلة شكّل "مسعود" تحالفاً عريضاً كردياً، الجبهة الكردستانية، وطرح مجدّداً شعار الحكم الذاتي لكردستان العراق وتشمل معها محافظة كركوك.
وبعد الدخول العراقي إلى الكويت في آب 1991، وحين فشلت مفاوضات مسعود ورهطه، في نيسان 1991، مع صدّام حسين بعد هزيمته في آذار 1991، أعلن جورج بوش الأب، ومن خلال الأمم المتحدة، مناطق الشمال ذو الأغلبية الكردية، ضمن الخط الأزرق، محميّة سياسية وعسكرية وساعد مسعود على تشييد حكمه الذاتي المنشود. لكن مسعود وبعد حضوره الاجتماع في نيسان 1992 مع الإدارة الأميركية رجع سريعاً إلى محميّته في السنجق الكردي وهو يرفع شعار "الفيدرالية " مبلغاً " عزيز محمّد "سكرتيرالحزب الشيوعي العراقي ، في جلسة مشتركة في =أيلول 1992 ، بأن الفيدرالية ستكون هي المحكّ العملي لعلاقة الكرد مع الأعداء والأصدقاء . وفي نفس الوقت كان جلال الطالباني قد التقى مع " تورغوت أوزال " رئيس الجمهورية التركية وصرّح بأنه يؤيّد بحرارة الفيدرالية بين كردستان العراق مع تركيا . لكن التعليقات الأميركية كانت حاسمة وبأنها لا تؤيّد تقسيم العراق .
والآن وفي غضون هذه الاشتباكات الكلامية بين بغداد والسنجق الكردي حسمت المرجعية في النجف موقفها برفض الانفصال عن العراق" ولتبدأ دورة أخرى في الصراع بين المطامع البارزانية وبين الوطنية العراقية المتجدّدة والحريصة على وحدة العراق ودوره المهم في المحيط المُلتهب بالحروب العدوانية الأميركية .
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً