الفصل الأخير من الحرب السورية: "داعش" على شفا الاندثار

ياسمين مصطفى | ست سنوات من الحرب الكونية على سوريا، كانت كفيلة بقلب الموازين العسكرية والسياسية حيالها رأسًا على عقب. سنوات انتقلت خلالها الدول الغربية وأدواتها الخليجية من جبهة العمل على أجندة إسقاط الحكومة السورية واستبدالها بأخرى طيّعة لأطماعها ومصالحها، إلى التنازل عن المطالبة بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، والسعي لتحسين العلاقات مع سوريا، بعد تكسر أحلامها ومشاريعها بفضل انتصارات الجيش السوري وحلفائه.
وبعدما كان مبدأ "التخلي عن الجغرافيا" -بهدف إعادة تموضع القوات السورية وتحسين شروط الدفاع- أولوية لدى الحكومة السورية في أولى ثلاث سنوات للحرب، تحولت في السنوات الثلاث من المرحلة الثانية إلى "تطويع" الجغرافيا، وهو الهدف الأساس الذي صبغ العمليات العسكرية حاليًّا، والذي تُرجم عمليًا بإعلان وزارة الدفاع الروسية أن الجيش السوري والحلفاء باتوا يسيطرون على 87.4% من مجمل مساحة سوريا.

عنوان المرحلة الحاليَّة في سوريا، يشرح أسبابها الخبير العسكري عمر معربوني في حديث لموقع "العهد" الإخباري، بتأكيده أنه" بعد إطلاق عمليات الفجر الكبرى باتجاه البادية السورية، انتقلت عمليات الجيش السوري والحلفاء من مرحلة الدفاع المتحرك التي تضمن الدفاع السلبي والإيجابي- إلى مرحلة الهجوم الشامل والاستراتيجي".

يستفيض الخبير العسكري في الشرح، موضحاً أن في المرحلة الأولى للحرب- بحدود الثلاث سنوات-كانت الأولوية لتثبيت معالم القوة ومكامنها في المناطق التي تعتبر قلب الدولة السورية وثقلها الاستراتيجي، والتي تضم المدن الكبرى وطرق الربط بينها وبين المنشآت الحيوية المختلفة في الدولة السورية.

أما اليوم، فقد انتهت معالم هذه المرحلة-بحسب معربوني-وذلك مع تحرير محافظة حلب وريفها الشرقي من سطوة الجماعات الإرهابية، وعليه "فإن تحرير حلب الهام أسس للمرحلة التي نعيشها حاليًا، خاصة أنه تزامن مع مجموعة من العمليات التي فرضت تسويات كبرى بحكم العمليات العسكرية الضاغطة التي حصلت في منطقة محيط دمشق بشكل أساسي، وأنتجت تسوية في داريا والمعضمية وفيما بعد في خان الشيح، والكسوة والدرخبية ومجموعة من المناطق وصولاً حتى صعصع على مداخل القنيطرة، ووصولا إلى شمال درعا في منطقة غباغب بشكل أساس، ولحقتها تسويات أخرى في مناطق قدسيّا والهامة والتل إضافة إلى برزة والقابون".

ويلفت معربوني إلى أن كل هذه التسويات التي جاءت نتيجة الضغط العسكري، مع ما حصل في وادي بردى، والعمليات التي أسفرت عن تحرير الزبداني بموجب تسوية نهائية، أدت في نهاية المطاف إلى تحرير عدد كبير من المناطق.

ومع بدء العمليات العسكرية في ريف حلب الشرقي، انتقل الجيش السوري والقوات الحليفة إلى ما يسمى بـ"القتال الجبهوي"، الذي بات بحسب الخبير العسكري النمط المعتمد حاليا بعد الشروع في معارك تدمر بشكل مباشر، وكامل عمليات البادية من فجر 1 و2 و3 التي أدت إلى استعادة مساحة جغرافية كبيرة وصلت الى حدود 65% من مجمل مساحة سوريا.

يتابع معربوني بالقول"كنا أمام رسم خط الجبهة، بعد معالجة الجيوب التي اعتمد فيها الجيش السوري والحلفاء نمط التطويق والإطباق، وباتت كامل منطقة العمق التي يقاتل فيها الجيش السوري محررة باستثناء جيب صغير هو ريف سلمية الشرقي. كل هذه العمليات أدت إلى وصول القوات إلى دير الزور وفك الحصار عن الحاميتين 137 والمطار، وباتت مساحة تقارب الـ87% من المدينة بيد الجيش، إضافة إلى تمدده شمال دير الزور، ووَصْل المدينة مع قواته التي كانت تتقدم باتجاه منطقة غانم علي".

وما سبق ذكره، شكل تبعاً لمعلومات الخبير مساهمة كبيرة في تحقيق عملية عبور لقوات الجيش السوري، بمؤازرة روسية هندسية ونارية مباشرة ومشاركة فعالة للحلفاء، لاستعادة مناطق أساسية في محور حميمة، شارة الوعر، وادي رطيمة شمال شرق التنف بهدف الوصول إلى البو كمال، وهذه الهجمات- بتقدير معربوني- تتزامن مع اتجاهات هجومية للجيش السوري من دير الزور باتجاه الميادين بعدما نصب الجيش البارحة جسر الحديدي الذي قامت بنصبه قوات روسية وسورية".

وعليه، توزعت نسب السيطرة على الأراضي السورية بحسب معربوني إلى الشكل التالي: تنظيم "داعش" الإرهابي بات يسيطر على 11 % إلى 15% من الأراضي السورية فقط، فيما تسيطر التنظيمات التكفيرية الأخرى على نسبة تقارب الـ15%، اما الأكراد أو ما يسمى بـ"قوات سوريا الديمقراطية" فتسيطر على مساحة تبلغ 22%، والباقي بات اليوم في قبضة الجيش السوري والحلفاء.

يتابع الخبير العسكري بالقول:"نحن أمام مرحلة مختلفة تمامًا تشكل تحولا استراتيجيا كبيرا يتضن مجموعة من المسائل: أولها انتصار دير الزور، وإحداث عملية الربط بين الحدود السورية والعراقية وهو تحول هام في ميزان القوى على مستوى الصراع بين محور المقاومة والكيان الصهيوني، حيث أصبحنا في مرحلة مختلفة تمامًا عما سبق، وسنشهد فيها قريبا النهاية الكاملة للمجموعات الإرهابية المسلحة في سوريا".

ولم يفت معربوني التطرق إلى خط الإمداد الاستراتيجي المتمثل بالحدود العراقية السورية، حيث يؤكد للموقع أن" هذا الخط قلَب ميزان القوى الاستراتيجي في الصراع مع "إسرائيل"، والدليل حالة الذعر التي يعيشها الكيان الصهيوني من هذا التحول الكبير"، وتابع الخبير قائلاً:" يتم العمل على توسيع نطاق السيطرة على خط الحدود..الجيش السوري من الجهة السورية والجيش والحشد الشعبي العراقي من الجهة العراقية، ويسجل للعراق تنفيذه اندفاعة باتجاه منطقة عكاشات الموازية لمنطقة شارة الوعر التي تم تطوير الهجوم منها باتجاه حميمة والبو كمال، كما يحاول الجيش العراقي تحسين شروط تثبيت قواعد الإرتكاز لحسم المعركة مع "داعش" في الأنبار والرمادي بشكل أساسي".

في المحصلة، يجزم الخبير العسكري معربوني أن"المعارك الكبرى في سوريا ذهبت إلى غير رجعة، فيما ستخضع المناطق المتبقية إلى تسويات كبرى، وأن بقاء الرئيس الأسد في سدة الحكم حتى يقرر الشعب السوري مصيره، هو الحقيقة الأكثر سطوعًا في الأزمة التي شارفت على الانتهاء"، لتُختم بذلك صفحة مظلمة في تاريخ سوريا الحديث، معلنة فشل اللعبة الغربية في إخضاع سوريا لهيمنة واشنطن وحلفائها.