كتب المحرّر السياسي



ليس ما بعدها كما قبلها، والارتباك الأميركي يفسّرها، والمناورات «الإسرائيلية» المستعجلة تعطيها المعنى، فالنقلة التي أحدثها الاختراق السوري على جبهة دير الزور ومعه حزب الله وبدعم إيراني وجوّي روسي، نقطة تحوّل استراتيجية في مسار الحرب، ومسار نهوض الدولة السورية وتراجع فرص مشاريع التقسيم، كما وصفها بيان القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة في سورية، وتضحيات العسكريين أثمرت نصراً مدوياً، كما قال الرئيس السوري بشار الأسد في محادثاته مع قادة القوى التي قاتلت في دير الزور والتي قامت بفكّ الحصار عنها، وما جرى هو نصر استراتيجي، كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

العدو كما الصديق يعلمان حجم ما جرى ويعرفان مترتباته. فالقيادة في الحرب على داعش وإدارتها توقيتاً ومكاناً لم تعُد بيد واشنطن ولا بيد حليفتها «قوات سورية الديمقراطية» وعنوانها الذي يمثله المسلّحون الأكراد، ومن خلال كلّ ذلك سعيهما معاً لوضع صيغة سورية المستقبلية رهينة لهذه الأدوار، كلّ ذلك تغيّر الآن. فالجيش السوري وحلفاؤه أظهروا القدرة والحسم والإرادة على الإمساك بمستقبل الحرب على داعش، في شمال الفرات حيث ظنّ الأميركيون أنها منطقتهم المحرّمة، وقد أعدّوا لذلك جيداً، فريف الرقة الجنوبي كله بيدهم ومنه سيدخلون حرب تحريرها، ووجود داعش في ريفي حمص وحماة والبادية يتقهقر وبات مصيره محسوماً نحو النهاية ليتفرّغ الجيش السوري بكلّ طاقاته ومعه الحلفاء بكلّ قدراتهم، للزحف نحو مدينة وريف دير الزور والحدود مع العراق، وصولاً للبوكمال والميادين، وسيكون على الأميركيين والقيادات الكردية العاملة معهم خيار واحد فقط وهو الانضمام بمعادلة جديدة لمساري جنيف وأستانة عنوانها لا خصوصية أمنية وكيانية لأيّ جزء من الجغرافيا السورية، والباب مفتوح لكلّ السوريين للمشاركة في حكومة جديدة ودستور جديد وصولاً للانتخابات النيابية والرئاسية، التي يملك عبرها السوريون وحدهم بلا ادّعاءات تمثيل كاذبة وفارغة، امتلكوها بورقة الدعم الخارجي للنطق بدلاً من أصحاب القرار الحقيقيين وهم المواطنون السوريون، الذين يقرّرون في صناديق الاقتراع فقط مَن يحكمهم ومَن يُمثلهم.

هذا النصر السوري كان مدوّياً لدرجة تلعثَمَ الأميركيون في كيفية التعامل معه، فاختاروا الصمت، فلا هم يستطيعون القول إنه انتهاك لمنطقة عمليات أعلنوا سابقاً احتكار الحركة فيها، ولا هم بقادرين على اعتباره نصراً على عدو مشترك يرحّبون به، ولا هم قادرون على الإدانة فيفضحون لعبتهم الخبيثة، فتحدّث «الإسرائيليون» عندما أرادوا التفسير لمناورتهم الكبرى على حدود لبنان وسورية فقالوا، يكفي مشهد سورية وما يجري فيها ليبرّر التفكير بالحاجة للاستعداد للمواجهة ولمعرفة المخاطر المقبلة.

في لبنان بعدما انتهت فحوص التحقق من جثامين شهداء الجيش اللبناني الذي قتلهم إرهابيّو داعش عام 2015، توزّعت الاهتمامات على جبهتين، الأولى التحضير ليوم الحداد الوطني ومراسم التشييع اللائق بالشهداء، والثانية المسارات القضائية للتحقيق في المسؤوليات والتقصير في قضيتهم وملاحقة القتلة والمتسبّبين والمشاركين بالتواطؤ مما أدّى إلى قتلهم.