إعلام الشباب في واقع مهزوم

الدكتور زهير عابد

يُعد نمو الإعلام المتخصص وازدهاره في أي مجتمع دليلاً قوياً على تقدم هذا المجتمع ورقيه؛ فحين يتجه أي مجتمع تجاه التخصص الدقيق بين أفراده، ينجم عن ذلك أتساع المعارف العلمية والثقافية وتعددها، وهو ما يمثل سمة أساسية للتقدم والتحديث.
نعيش اليوم عصر الإعلام المتخصص، إذ لجأت الوسائل الإعلامية إلى التخصص، إما في المضمون من خلال تقديم كميات وفيرة في مجال محدد، يلبي احتياجات الجمهور سواء أكان العام أو الخاص، أو من خلال الاهتمام بقطاع وفئات محددة، مثل: فئة الشباب؛ كما أن وسائل الإعلام التي تقدم مضمونا عاما، تلجأ في كثير من الأحيان إلى تقديم مضمون محدد للجمهور العام والخاص.
ولقد أخذت مجالات المعرفة البشرية تتسع؛ حيث حققت تراكماً ضخماً، ليصبح "التخصص" السمة البارزة، وانقسم الكل المعرفي إلى جزيئات دقيقة متخصصة، ولم يقف التخصص عند هذا الحد، بل سرعان ما اتجه إلى التخصص الدقيق والأكثر عمقاً. ولم يأتِ الاهتمام بالمضمون المتخصص أو الجمهور من فراغ بل هو نابع من عوامل عدة، أبرزها: تراجع توزيع الصحف العامه في بعض الدول، وإلى تزايد المصاعب أمام الإعلام العام بكل وسائله بينما تزدهر أمام الإعلام المتخصص.
ولم يكن مجال الإعلام بعيداً عن المجالات والتخصصات الآخرى، فالدراسات والأبحاث الإعلامية كانت، ومازالت تهتم بجمهور محدد تجمعه خصائص وسمات محدده كالشباب، وقد مر إعلام الشباب في مراحل عديدة، منها: مرحلة الصفوة، ومرحلة الحشد، ومرحلة التخصص، وأخيرا مرحلة التفاعلية والتي تهمنا هنا، وقد أدت التطورات المتلاحقة والمتسارعة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات إلى ظهور مرحلة جديدة من المراحل التي تحدد العلاقة بين وسائل الاتصال وجمهورها؛ فقد أدى الاندماج بين ثورة الاتصالات، وثورة المعلومات والحاسبات إلى ما يعرف "بالتكنولوجيا التفاعلية"، أو "الوسائط المتعددة".
وبالتالي، تغيرت العلاقة بين وسائل الإعلام والمتلقي؛ فقد أصبحت العلاقة بينهما أكثر تفاعلية، إذ حقق ذلك إعطاء دور متزايد للمتلقي في عملية الاتصال؛ حيث أصبح المتلقي أكثر تفاعلاً وتأثيراً، وبالتالي، أصبح الشباب يستخدم وسائل الإعلام كأحد وسائل المشاركة الاجتماعية، خاصة عندما تحقق لهم تلك الوسائل نزعتهم للتفاعل مع الآخرين، وهذا ما لاحظناه في ثورات الربيع العربي.
قدمت شبكة الإنترنت بيئة ملائمة لظهور التفاعلية وانتشارها، من خلال إتاحتها فرصة أكبر للمشاركة، وبالتالي، أنعكس ذلك على دور المتلقي الذي أصبح مؤثراً في المادة الإعلامية، وتحقيق التفاعلية والتحكم في عملية الاتصال من جانب الجمهور؛ فقد وفرت شبكة الإنترنت مساحات عريضة لتبادل الآراء والمناقشة، وهو أمر عجزت عن تحقيقه وسائل الإعلام التقليدية.
أهمية إعلام الشباب ترجع إلى الاهتمام بالمزاج الشخصي، والهوايات وأنماط التعرض لوسائل الإعلام، في ساحة المنافسة الإعلامية التي تسود في عصر التليفزيون، والاتصال التفاعلي. كما تقع على إعلام الشباب مهمة نشر أنواع المعارف كافة، ولا يقتصر دورها على نشر نوعية محددة من المعارف.
يهدف إعلام الشباب إلى تلبية احتياجات ورغبات الشباب، كلٌ حسب اهتماماته، وبجرعات كمية وفيرة وبجودة عالية، وإتاحة برامج ومواد متخصصة وأكثر عمقاً في المضمون تلبي احتياجات الشباب وتزودهم بالمواد المختلفة، والتأكيد على الانتماء الوطني، وإعلاء إحساس الشباب بالهُويَة القومية.
ويتميز إعلام الشباب في أنه يعرف جمهوره بشكل دقيق ومحدد، وأن الخبرة المشتركة متوفرة بشكل كبير فيه؛ لأن القائم بالاتصال على علم باحتياجاته ورغباته، وبأنماط حياته، كما أن الرسالة في إعلام الشباب تعمل على تلبية رغباته وحاجاته واهتماماته؛ وذلك من خلال المعرفة المتعمقة بين القائم بالاتصال والشباب، بالإضافة إلى أن الوسيلة أو القنوات في إعلام الشباب قد تكون تقليدية أو جديدة، كوسائل الاتصال الجديدة التي أفرزتها ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال من وسائط متعددة، كما أنه يحدث رجع صدى بشكل دقيق وسريع للقائم بالاتصال في إعلام الشباب، وبالتالي، يعرف القائم بالاتصال مدى أمكانية تلبيته لحاجات الشباب أم لا، وبالتالي، التشجيع على الاستمرار في هذه الرسالة أم لا؛ بناءً على رجع الصدى المرتد من الشباب.
وللإعلام الشباب إيجابيات تتمثل في أنه يعمل على تلبية احتياجات واهتمامات وأذواق الشباب، كما أنه المحافظ والحامي لقيم وعادات وتقاليد وثقافة الشباب من الإعلام الدخيل من خلال الرسالة الموجه له، بالإضافة إلى أنه يهتم بالقضايا والموضوعات التي تهم الشباب، ويمنح وقتاً أو مساحة أكبر لهم، وأخيرا، يجعل الأشياء أكثر دقه وعمقاً ووضوحا لدى الشباب.
وهذا لا يمنع من أن لإعلام الشباب سلبيات تتمثل في الانعكاسات السلبية على روح التكامل الثقافي في المجتمع، وفي مقدرته على إبعاد الشباب عن بقية أنواع المعارف والعلوم، ويجعله غير قادر على استيعابها أو اللحاق بها والتواصل معها، كذلك في تقديمه في بعض الأحيان موضوعات غير ذات فائدة بل منافية لقيم وأخلاق المجتمع، كما أنه يعزل الشباب، وبالتالي، يعمل على تفتيت المجتمع.
ولكي ينجح إعلام الشباب في ظل الواقع المهزوم، يجب توفير كوادر إعلامية شابة، ومدربة، ومعدة بشكل جيد في المجال التي تعمل فيه، ويحتاج إلى مادة إعلامية أكثر عمقاً وتخصصاً، إذ يحتاج إلى معلومات علمية وثقافية أكثر عمقاً، كما أنه يحتاج إلى معرفة دقيقة بالشباب، لكي تعد رسالتها بما يتناسب مع خصائصه واحتياجاته وأذواقه ومطالبة، وأخيرا، يحتاج إلى مصادر إعلامية متطورة ومتجددة بشكل مستمر في إعداد المادة الإعلامية المناسبة، وفي القوالب التي يفضلها، حتى لا يمل من تكرار المواد الإعلامية المقدمة له؛ فهو دائماً يطالب بالجديد، حتى لا تخرج من دائرة اهتمام الشباب، كل هذا من خلال توعيته بالمخاطر والمكايد التي تنصبها الصهيونية العالمية ومخابراتها للنيل من الثورات العربية ومحاولة تجيرها لخدمة مصالحها، وفي ظل غياب عربي سياسي عن الساحة العربية والدولية، فلقد أصبحت إسرائيل دولة شقيقة نسمح لها بضرب سوريا لخدمة أجندة شخصية على حساب القومية العربية، بغض النظر عن النظام الحاكم فيها، فهذا يعتبر مؤشر خطير على تدني السياسة العربية، لذا يجب توعية الشباب العربي بما يدور حوله، من خلال رسائل واضحة لكي يستطيع مواجهةالمخططات الصهيونية في المنطقة العربية وإفشالها.