الحكم بالإعدام تعزيرا على الشيخ السعودي نمر النمر في القانون

أ.د. أحلام بيضون

في الوقائع

نمر باقر النمر (1379 هـ، العوامية) عالم دين شيعي سعودي، من منطقة القطيف (1)، تزعم حركة المطالبة بالإصلاح، وطالب بإعطاء الطائفة الشيعية التي تمثل نحو 20% من السكان حقوقها، وذلك عن طريق إلغاء التمييز الطائفي والمذهبي ، والسماح بإقامة المقامات الدينية في البقيع، وكفالة الحقوق المدنية والسياسية ، وقد كان في خطبه يصرخ بأعلى صوته بأنه حر، وبأن من حقه أن يختار من يحكمه ، ولكنه لم يكن يدعو إلى العنف، فهو القائل : " الكلمة أقوى من أزيز الرصاص". اعتقل عدة مرات كان آخرها في الثامن من يوليو 2013م. (2) في 15 اكتوبر 2014 حكمت عليه المحكمة الجزائية الإبتدائية في السعودية بالإعدام تعزيرا (3).

في نوع الجريمة
ما قام به الشيخ النمر هو تعبير عن الرأي في أمور سياسية تتعلق بالشأن العام أي بالنظام السياسي الذي يحكم على أساسه الشعب في المملكة السعودية، وبما أن الشعب هو مصدر السلطات فإن من حقه أن يقرر بشأن النظام الذي يريده، وكل فرد من أفراد الشعب له الحق بإبداء رأيه من باب حقوق الإنسان المكرسة في الدساتير الداخلية بما فيها الدستور السعودي الذي يرتكز مبدئيا على الشريعة الإسلامية.
بالمبدأ التعبير عن الرأي في شأن سياسي ليس جريمة، بل بالعكس إن منع الإنسان من التعبير عن رأيه خاصة في أمور تتعلق بشكل النظام الذي يحكمه يشكل جريمة بوصفه يشكل تعديا على أبسط حقوق الإنسان وانتهاكا للقوانين الوضعية التي ترعى ذلك وللمواثيق والقوانين الدولية وللشريعة الإسلامية.
وبما أن ما قام به الشيخ النمر لا يشكل جريمة في نظر القانون الوضعي وفي نظر الشريعة الإسلامية، فقد ارتبكت الأجهزة الأمنية السعودية حين أرادت أن توجه تهمة ارتكاب جريمة للشيخ المعتقل، فالمتعارف في الآليات الجنائية أن التهمة تكون محددة وواضحة يتم إعلام المتهم بها،ً وتؤسس بموجبها الإجراءات الجنائية التي يجب اتخاذها.

التهم المساقة
رغم أن ما قام به الشيخ يشكل تعبرا عن الرأي ويدخل في نطاق النشاط السياسي، فإن السلطات الأمنية السعودية لجأت في تبرير إعتقالها للشيخ النمر إلى سوق التهم التالية له: 1- الخروج على ولي الأمر
2- إشعال الفتنة الطائفية
3- حمل السلاح ضد رجال الأمن
4- التحريض على التظاهر
5- دعم ثورة البحرين
6- المطالبة بولاية الفقيه
7- الطعن في الصحابة
8- سب رجال الدولة
9- جلب التدخل الخارجي
10- الإساءة لسمعة البلاد.

ولكن لنفترض أن الفعل وصف بأنه جريمة، فإن الجريمة هي سياسية هنا من حيث طبيعتها، وبالتالي فإن الحكم بها يختلف عن الحكم في جريمة جزائية.

في العقوبة
صدربحق الشيخ النمر حكم القتل بالتعزير، والتعازير تمثل النوع الثالث للجرائم في التشريع الجنائي السعودي إلى جانب جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية. هذا يعني أن القضاء السعودي الخاضع للإرادة السياسية لم يستطع إسناد جريمة من جرائم الحدود أو القصاص والدية للشيخ النمر فلجأ إلى فرض عقوبة تعزيرية بحقه.
- فيما يتعلق بالتعزير هو عقوبة غير مقدرة تتوجب حقاً لله أو للعبد في كل معصية ليس فيها حد أو قصاص أو كفارة. بالعودة إلى أصل فرض العقوبة التعزيرية نجد أن الحكم الصادر بحق الشيخ النمر لا يتوافر فيه أي شرط من شروط تحديد العقوبة التعزيرية (4) وهذا ما يجعله باطلا على هذا المستوى.

غير أن هذه العقوبة تبدو هجينة أيضا من حيث تحوير طبيعة التعزير حتى في نظر الشريعة، فالفقه الجنائي الإسلامي يستبعد عقوبة الإعدام من نطاق العقوبات التعزيرية لتبقى مقررة لبعض جرائم الحدود والقصاص وهذا ما تؤكده كتب الفقه الجنائي حتى عند أهل السنة، إذ أنها توجب ألا تكون عقوبة التعزير مهلكة، ومن ثم لا يجوز في التعزير قتل ولا قطع (5)

وحتى من يقول بجواز إيقاع عقوبة الإعدام كعقوبة تعزيرية فإن الحاكم الشرعي يوجب أن تحدد الجرائم التي تفرض فيها هذه العقوبة تحديداً لا مجال معه للإجتهاد .

-أما فيما يتعلق بالإعدام فمن المعروف في عالم القانون والقضاء ميل القاضي إلى الحكم الأخف، فالإعدام هو تعد على حق الإنسان بالحياة، وفي الوقت ذاته على إرادة الله فهو وحده الذي يحي ويميت. إن نفس الإنسان وحياته مقدسة في القرآن الكريم، ويجب عدم الاعتداء على حرمتها إن هذا المعنى تكرسه الآية 32 من سورة المائدة : " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً ".
إن الحق بالحياة تحميه كل النصوص والمواثيق الدولية ، فقد نصت المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن " لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية". كما يؤكد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن "الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، كذلك الحق في الحرية والأمان". ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً. وقد نص العهد الدولي في المادة 6 على أن : "لأي شخص حكم عليه بالإعدام حق التماس العفو الخاص أو إبدال العقوبة" . ويجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات.
في المحاكمة
لقد وردت متطلبات المحاكمة العادلة في المواد (7)، (8)، (9)، (10)، (11) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، م/14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية وفي القوانين الإقليمية والمحلية، حيث كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أي تفرقة. كما لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً. فإنه يحق له الدفاع عن نفسه، ولكن هذا ما لم يتمكن منه الشيخ النمر وفق ما تنص عليه المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية.

في بطلان الحكم
يمكن القول أنه سواء في عدم وقوع الفعل الجرمي وانتفاء الجريمة، أو في طبيعة تصنيف الفعل كونه فعل سياسي جرى تحويره، أو سواء في المحاكمة وانتهاك حقوق المتهم في إجراءات عادلة ومنعه من الدفاع عن النفس، أو سواء فيما يتعلق بطبيعة العقوبة التي تعتبر جائرة وغير محددة أصلا، فإن الحكم الصادر بحق الشيخ النمر هو حكم باطل، ويمكن إسناد البطلان إلى التشريع الجزائي السعودي نفسه وفي الشريعة الإسلامية، وأيضا إلى القانون الدولي.
بالنسبة للتشريع الجزائي السعودي، تنص المادة الثالثة من نظام الإجراءات الجزائية السعودي نفسه الصادر بالمرسوم الملكي رقم 39 لسنة 1992 على ما يأتي: "لا يجوز توقيع عقوبة جزائية على أي شخص إلا على أمر محظور ومعاقب عليه شرعاً أو نظاماً ".
فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، نذكر بأن الطاعة وجبت لولي الأمر العادل، كما نعيد التذكير بالآية الكريمة التي أتينا على ذكرها أعلاه أي الآية 32 من صورة المائدة من القرآن الكريم.

أما فيما يتعلق بالقانون الدولي فإن قيام السلطات السعودية بإعتقال الشيخ النمر من دون إرتكابه فعلاً إجراميا ومن دون توجيه تهمة محددة إليه، يتعارض مع أحكام من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 ، حيث تنص المادة (9) منه على أنه "لا يجوز إعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً"، والمادة(6) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 التي تنص على أنه " لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورةً وفقاً للتشريع النافذ وقت إرتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد".
2- تضمن الحكم والإجراءات التي بني عليها إنتهاكاً فاضحاً للقاعدة القانونية التي تنص على أن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" إذ لم تسند للشيخ النمر تهمة محددة تؤسس عليها إجراءات التحقيق والمحاكمة، إنما تخبطت السلطات في إسناد التهم إليه، وفي كل يوم تتبدل التهمة، وهو ما يعكس حقيقة عدم وجود جريمة جزائية، وإنما يأتي ذلك من باب التعسف وإرادة النظام في تكميم أفواه المواطنين فيما يتعلق بالمطالبة بحقوقهم، أو التعبير عن رأيهم السياسي ونظام الحكم. وقد إستند إيقاع عقوبة الإعدام إلى سبب وحيد هو "أن شره لا يندفع إلا بقتله"، وهذا القول لا يستقيم في عالم القانون والعدالة ومن باب حقوق الإنسان. إنه حكم لا يتفق مع أدنى مبادئ الشرعية الجنائية الذي يقتضي أن تكون الجريمة محددة والعقوبة محددة أيضاً. كل ذلك يشكل سببا أساسيا وواضحا لبطلان الحكم في حق الشيخ نمر النمر.
3- على فرض إعتبار ما صدر عن سماحة الشيخ فعلاً مجرماً وهو ليس كذلك فإن الجريمة تصنف كجريمة سياسية لا يجوز فيها إيقاع عقوبة الإعدام وهذا المبدأ مستقر في المواثيق الدولية والدساتير والقوانين الوطنية.
4- لم تكفل الأجهزة الأمنية والقضائية السعودية حق الدفاع لسماحة الشيخ على الوجه المقرر في المادة (4) من نظام الإجراءات الجزائية إذ أنها لم تسمح لمحامي الشيخ النمر، الدكتور صادق الجبران بالحضور أثناء الإستجواب كما أنه تعرض لسيل جارف من السب والتكفير واللعن بسبب دفاعه عن الحق ونصرته لمظلومية العلامة المجاهد.
5- لقد كانت إجراءات المحاكمة مشوبة بخلل جوهري يوجب بطلانها وهو أن الإدعاء العام باشر الدعوى الجزائية أمام المحكمة وفقاً للمادة (16) من نظام الإجراءات الجزائية عن جريمة الحرابة وكان المقتضى أن تتم المحاكمة عنها فحسب إلا أن المحكمة أسقطت حد الحرابة بشكل مفاجئ وفي الجلسة الأخيرة وحكمت بالإعدام تعزيراً وهذا مناقض لأبجديات الإجراءات الجزائية.
6- لم تستجب المحكمة لطلب الدفاع بإحضار عناصر الأمن الذين ألقوا القبض على سماحة الشيخ ببلدة العوامية لإستماع إفاداتهم على الرغم من أنها منتجة في الدعوى، وفي هذا الرفض دلالة واضحة على عدم حيادية المحكمة ومهنيتها ورغبتها في إدانة المتهم النمر.
وفي الختام إتضح أن الحكم الصادر بحق الشيخ النمرهو قرار سياسي برداء قضائي ولذا يجب على محاكم الدرجات العليا في السعودية تحمل مسؤوليتها وتدارك الأمر وذلك بنقض الحكم وتقرير براءة الشيخ النمر.
أخيرا، يعتبر الحكم الصادر بإعدام الشيخ النمر باطلً بطلاناً مطلقاً كونه مخالف للشريعة الإسلامية وهذا ما قررته المادة (188) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي لعام 1992، حيث تنص على أن "كل إجراء مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلاً". وفي السياق ذاته تنص المادة (201) من النظام نفسه على مايأتي: " ينقض الحكم إن خالف نصاً من الكتاب أو السنة أو الإجماع".

خلاصة القول إن الحكم الصادر بحق الشيخ النمر هو حكم جائر، مخالف لأبسط أنواع حقوق الإنسان، ويشكل انتهاكا للشريعة الإسلامية وللقانون الجنائي السعودي وللقانون الدولي، وبالتالي هو باطل بطلانا مطلقا.