بريطانيا، وليس أميركا، العدو الأبرز للمعارضة البحرينية

عباس بوصفوان

تعتقد أطراف المعارضة، جميعها، أن الدعم البريطاني للعائلة الخليفية الحاكمة في البحرين يتجاوز بكثير الدعم الأميركي، وأن المعضلة التي تواجهها دبلوماسية المعارضة في ترويج تطلعاتها نحو الديمقراطية خارجيا تكمن في لندن وليس في واشنطن، أو على الأقل فإن المعضلة في العاصمة البريطانية أكثر منها في العاصمة الأميركية، حيث الموقف البريطاني سلبي من مطالب الديمقراطية في المنامة، فيما تتعاظم باضطراد مفردات الحل الأمني في مواجهة هذه المطالب، بفعل دعم لندن الفاقع، أكثر من أي عاصمة غربية أخرى.

تكاد تكون هذه النقطة محل اتفاق المعارضين، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، سواء المطالبين بالمملكة الدستورية أو أولئك الداعين إلى التحول نحو الجمهورية، ما يسمى بالحمائم أو الصقور، “المعتدلين” أو “المتشددين”، دعاة المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها، معارضي الداخل أو أولئك المهجّرين، والذين يختلفون على نقاط كثيرة، لكنهم يتفقون، تماما، وبنسبة تصل إلى 100%، على أن بريطانيا “رأس الشر”، والداعم الأكبر للنظام الخليفي، ضد العزل المسالمين الداعين للمساواة والعدالة.

إذاً، يكاد يختفي أي تصنيف للمعارضين حين يتم الحديث عن الموقف الغربي من المسألة البحرينية: الكل يشتكي من لندن، وموقفها المتشدد، الرافض لأطروحات المعارضة، والداعم المطلق للنظام.

إن مسألة الاجماع تلك تثير الشهية للنقاش، لأسباب منهجية من جهة أولى، تتعلق بالحاجة إلى اختبار الاجماعات القائمة للتحقق من صدقيتها، ومن جهة ثانية: عملانية “عملية”، حيث الحاجة إلى التدقيق في هذه الفرضية التي تبدو راسخة في أذهان جميع (أكرر جميع) المعارضين، القيادات منهم، أو أولئك المصنفين في الصف الثاني أو الثالث.

أما الجانب الأهم هنا، فيتعلق بما يترتيب على هذه الفرضية من خطاب وفعاليات (حتى لا أقول استيراتيجيات وتكتيكات) في مسار العمل الدبلوماسي الدولي للمعارضة، ذلك إن التشخيص الخاطئ للمشكل، إن وجد، سوف يؤدي ـ حتما ـ إلى علاجات خاطئة.

وبطبيعة الحال، لست بصدد قبول هذه الفرضية، أو نفيها، بقدر ما أحاول مناقشتها، وصولا إلى خلاصة، لعلها تكون مفيدة في تنشيط دبلوماسية المعارضة على الصعيد الدولي، وهي دبلوماسية لازلت ضعيفة، مترددة ومحافظة، لأسباب بنيوية وأخرى موضوعية.

الأسباب التي يستند إليها أصحاب “حقيقة”، (وليس نظرية!)، أن بريطانيا “رأس الأفعى”، وليس أميركا، تستند إلى مجموعة من المقولات، لعلي أشير إلى بعضها:

1. قلما تعبّر لندن عن إدانة لأفعال حكومة المنامة المناهضة لحقوق المواطنين المتعارف عليها دوليا، مثل حق التجمع والتعبير عن الرأي، على عكس الولايات المتحدة التي طالما أكدت على حق شعب البحرين في الاعتصامات والتظاهرات السلمية. وبالتوازي تُظهر بريطانيا قلقا أقل بكثير، مقارنة بواشنطن، بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، التي اعتاد النظام الخليفي على ممارستها. ومثلا، بينما ظلت أميركا تطالب بالإفراج عن الحقوقي الدولي نبيل رجب (اعتقل في مطلع أكتوبر 2014)، على أعلى المستويات، مثل تغريدات المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة سامانتا باور (18 أكتوبر 2014)، فإن بريطانيا، اكتفت بالقول بأنها تراقب عن كثب قضية رجب، على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية والكومنولث توبياس الوود (28 أكتوبر 2014).

2. إن بريطانيا تقود حملات الدعم للنظام الخليفي، غربيا ودوليا. ومثلا، فإن السفير البريطاني في البحرين ايان لينزي تصدّر حملة إصدار بيان وقعته أربع سفارات غربية في المنامة (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إضافة إلى المملكة المتحدة)، يعبر عن خيبة الأمل لمقاطعة “الوفاق” وجمعيات المعارضة الأخرى للانتخابات النيابية والبلدية المرتقبة في 22 نوفمبر الجاري.. بينما لم يوقّع السفير الأميركي على البيان المذكور.

3. تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما مرارا عن أهمية الحوار والإصلاح في البحرين، بما في ذلك حديثه من على منصة الأمم المتحدة عن ضرورة قيام حوار بين السلطات الخليفية وجمعية الوفاق (سبتمبر 2012)، كما شمل أوباما البحرين ضمن الدول التي تعيش توترا طائفيا (سبتمبر 2013)، كسوريا والعراق، وفي الجهة المقابلة قلما يتحدث رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون عن موقف شبيه، بل ظل يعبر عن دعمه لنظام البحرين، بلا مواربة.

4. لا يبدو الرئيس أوباما راغب في استقبال ملك البحرين، بينما زار الملك حمد لندن مرات عديدة في السنوات التي أعقبت ما يسمى الربيع العربي، وتفترض المعارضة ان ذلك يجلي الفارق بين تراخي أميركا في دعم بعض سياسات آل خليفة، وحماس بريطانيا لذلك.

5. ليس من السهولة على المعارضين البحرينيين الالتقاء بمسئولي وزارة الخارجية البريطانية، في وقت يبدي مسئولو حقوق الإنسان في الخارجية الأميركية (السابق مايكل بوسنر، والحالي توماس مالينوسكي) حماسا كبيرا لمقابلة قادة المعارضة، لدرجة أن مالينوسكي تعجّل في مقابلة أمين عام الوفاق في الصيف الماضي، قبل مقابلة مسئولين رسميين، ما أدى بسلطات المنامة لطرد المسئول الأميركي بصورة لا تخلو من إهانة.

6. استضافت جهات بريطانية معروفة بصلتها بالمؤسسة الحاكمة، جلسات عدة لأطراف المسألة البحرينية، وجمعت الموالين والمعارضين على طاولة نقاشات في تشاتم هاوس، وفي برامج قيل أنها تدريبية، كانت واجهتها منظمة القرن المقبل Next Century، وقاد ذلك المعارضين والموالين للتعرف على تجربتي إيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا في المصالحة الوطنية. وجهد كهذا لم تقم به أميركا التي لا تحتفظ بعلاقات طيبة مع الجهات الحزبية الموالية للنظام، ويعتقد أن هذه البرامج ما أرادت إلا احتواء المعارضة، وشراء الوقت، وزيادة وتيرة العلاقات العامة، وادعاء استمرار الحوارات التي لم تجترح حلولا لمعضل البلاد المتفاقم.

7. يبدو الجهد البريطاني جليا في ترميم مؤسسات النظام الأمنية: خبراؤها يقودون تدريب الجهاز الشرطي السيء الصيت، ونتذكر المهمة التي أنيطت بالمفوض السابق لشرطة العاصمة البريطانية جون ييتس الذي عيّن لما سمي إصلاح الشرطة، وذلك في نهاية 2011، عقب صدور توصيات تقرير بسيوني الذي أقر شيوع التعذيب الممنهج وسيادة ثقافة الافلات من العقاب. وقد شاركت الشرطة البريطانية (سكوتلاند يارد)، في يوليو 2012، في بعض التحقيقات الأمنية في البحرين، وتحديدا في قضية عُرفت بتفجيرات 5 طن. (كان الضابط البريطاني إيان هندرسون أهم عناصر بناة النهج الأمني العنيف منذ الستينات حتى مطلع الألفية).

8. يبشر البريطانيون بالنهوض بالمؤسسة القضائية الخليفية، المقترنة بالافتقار للنزاهة وانعدام الاستقلال، وذلك من خلال التدريب على أيدي اختصاصيين بريطانيين، إضافة إلى تحسين وضع السجون من خلال إقامة ودعم مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين البحرينية (وفد من هيئة تفتيش السجون البريطانية زار البحرين، نهاية شهر أكتوبر الماضي)، وغيرها من عمليات التجميل العديدة، التي تتركز في البعد الحقوقي، والتي لا يختلف المتابعون في كونها عمليات سطحية لا تضيف بعدا إصلاحيا حقيقيا لأوضاع الجزيرة المزرية.

9. تمادت السلطات البريطانية في مضايقة المعارضين البحرينيين اللاجئين سياسيا في المملكة المتحدة، لدرجة محاكمة الناشطين قاسم الهاشمي وعبدالرؤف الشايب تحت طائلة قانون الارهاب، فضلا عن تحقيقات موسعة ومطولة وتستمر عدة ساعات للعديد من المعارضين، حال عودتهم من سفرات خارج الأراضي البريطانية.

10. تستند السلطات البريطانية في دعمها المطلق للنظام البحريني في كون الأخير حليفا استيراتيجيا، كما تصفه الحكومة والبرلمان البريطانيين، وبالتالي لا يجوز السماح بتعرضه للسقوط أو الارتجاج، وفقدان السيطرة وزمام المبادرة.

11. يمتد التأثير البريطاني السلبي ذاك الى الاتحاد الأوروبي. وعادة ما تسمع المسئولين الأوربيين يرددون أنهم يعتمدون في معرفة الحالة البحرينية على تقييم الموقف البريطاني.

النقاط المذكورة تجعل المعارضين البحرينيين، بلا استثناء، يعتقدون أن موقف لندن سلبي من المعارضة وقياداتها وأطروحاتها، بينما الموقف الأميركي أكثر إيجابية بشأن دعوات الإصلاح، وإن ظلت منحازة للحاكم المطلق في البلاد، لكنها لا تبشر به نموذجا يحتذى، كما تعتبر ذلك بعض خطابات لندن الرسمية، مع الأخذ بالاعتبار وجود جالية بحرينية تشطة في لندن، يفترض أن يكون تأثيرها أكثر وضوحا في لجم التشدد البريطاني، لكن ما يحدث هو العكس.

وتظل بريطانيا تستقبل نجل الملك، ناصر بن حمد، رغم الاتهامات الموجهة له دوليا بممارسة عمليات تعذيب، كما تستمر تقارير وزارة الخارجية البريطانية ناعمة في التأشير على الانتهاكات، ومبشرة بالإصلاح، الذي يفترض أن يستغرق عقودا، في نظرها!

فما حقيقة موقف لندن من المطلب الديمقراطي في البحرين؟ وما ارتباطه بموقف أميركا؟ وهل تتحرك المملكة المتحدة فعلا بعيدا عن نهج واشنطن، التي تعد قائدة العالم الغربي؟ أرجو أن أوفق في معالجة ذلك في مقال مقبل.