مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ: تل أبيب تتوجّس من ترك واشنطن المنطقة نتيجة التحدّي الاقتصاديّ الصينيّ وتهديد كوريا الشماليّة ووثيقة ترامب دفاعيّ

مركز أبحاث الأمن القوميّ الإسرائيليّ: تل أبيب تتوجّس من ترك واشنطن المنطقة نتيجة التحدّي الاقتصاديّ الصينيّ وتهديد كوريا الشماليّة ووثيقة ترامب دفاعيّة

الناصرة-“رأي اليوم”- من زهير أندراوس:
ما زال صنّاع القرار في تل أبيب يدرسون بعنايةٍ فائقةٍ وثيقة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب فيما يتعلّق بالأمن القوميّ، ويُحاولون سبر غورها وتداعياتها على الأمن القوميّ للدولة العبريّة، كما أنّ المُحلّلين ومراكز الأبحاث في دولة الاحتلال، يسعون بخطىً حثيثةٍ لفهم مآلات الوثيقة وتأثراتها على موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق رأت دراسة جديدة أعدّها الجنرال احتياط عاموس يدلين، رئيس مركز أبحاث الأمن القوميّ، التابع لجامعة تل أبيب، أنّ الوثيقة المذكورة تحمل في طيّاتها تحديات وفرص، لافتةً في الوقت عينه إلى أنّ الإستراتيجية الأمريكيّة تُعاني من فجوات، ومنها عدم التعرض لخطوات محدَّدة يجب على إدارة ترامب القيام بها من أجل ترجمة الإستراتيجيّة المعلنة إلى أفعال. وينبع التخوف الإسرائيلي من احتمال ألّا تترجم المقاربة المقترحة إلى أفعال، ما سيؤدي إلى مواصلة إيران سعيها إلى توسيع نفوذها في المنطقة من دون إزعاج كبير.
يدلين شدّدّ في دراسته على أنّ الإستراتيجيّة الأمريكيّة غلب عليها الطابع الدفاعيّ لكونها تستهدف وضع حدٍّ للتحركات الإيرانيّة، وبشكلٍ أساسيٍّ عبر إنشاء جبهة تؤدي إلى توازن إقليمي. وقصدت الوثيقة بذلك، كبح النشاطات الإيرانية وتقليص ضررها، بالتعاون مع لاعبين إقليميين مؤيدين للأمريكيين، كشرطٍ لتحقيق هذه الأهداف.
أما فيما سيترتب عن ذلك، بشكلٍ عمليٍّ، بالنسبة لإسرائيل، فهو بقاؤها في جبهة الصراع في مواجهة إيران، بينما القدرة على إقامة جبهة إقليمية واسعة مشروطة بقدرة دول الخليج على التعاون، وتحديدًا في هذا الوقت الذي يزداد فيه التوتر بينها، في ضوء محاولة السعودية الدفع قدُمًا بسياستها بطريقة عنيفة ومحاولة فرضها على سائر دول الخليج. علاوة على ذلك، لفتت القراءة الإسرائيليّة إلى أنّه نتيجة عدم إحراز تقدم على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، فإنّ فرص موافقة الدول الخليجية على التعاون مع إسرائيل في مواجهة إيران بشكل علني تبقى محدودة.
في ضوء ذلك، دعا الجنرال يدلين إلى بلورة بدائل أخرى عن نجاح تشكيل تحالف إقليمي واسع لمواجهة إيران. وأوضح أنّه على الرغم من التزام إدارة ترامب عدم الانسحاب من الشرق الأوسط لمصلحة التركيز على جنوب شرق آسيا، لم تستبعد القراءة أنْ تجد إدارة ترامب نفسها مضطرة إلى خيار كهذا، نتيجة التحدي الاقتصادي الذي تمثله الصين، وبسبب التهديد الذي تمثّله كوريا الشمالية. في المقابل، شدّدّ يادلين على ضرورة محاولة التأثير بالخطوات الأمريكيّة المستقبلية من أجل ألّا يتحقق هذا السيناريو الذي تتخوف منه إسرائيل.
وعبّرت قراءة يادلين عن تخوّفها من توصيف الولايات المتحدة لإسرائيل كخصمٍ استراتيجيٍّ، يُمكن أنْ يُشكّل معضلة لها، انطلاقًا من أنّ تل أبيب لا يمكنها أن تستغني عن التنسيق والتعاون مع روسيا في سوريّة، وبشكلٍ خاصٍّ في ظلّ رهانها على الاستفادة من الوجود الروسيّ لمواجهة النفوذ الإيرانيّ هناك.
جدير بالذكر أنّه فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، حدَّدت الوثيقة ثلاثة تهديدات مركزية: تمركُز التنظيمات الإرهابية في المنطقة وتصديره إلى العالم، توسُّع النفوذ الإيراني في المنطقة ودعم طهران للإرهاب، وتهديد استقرار سوق الطاقة العالمية. وهو ما يتساوق مع الرؤية الإسرائيليّة في الموقف من النفوذ الإيراني، وممّا تصفه بالإرهاب.
ومع أنّ إدارة ترامب لم تتبنّ الإستراتيجية الهجوميّة التي كانت تأملها تل أبيب باعتبارها المدخل لتغيير موازين القوى الإقليمية في مواجهة إيران وحلفائها، إلّا أنّ الوثيقة شدّدّت على عدم نية واشنطن الانسحاب من الشرق الأوسط أوْ تقليص وجودها في المنطقة. وهو ما يعني، كما أشار يدلين إلى أنّ ترامب لا ينوي الاستمرار في إستراتيجيّة الانتقال من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا التي قادها الرئيس السابق باراك أوباما. وفي الوقت نفسه، عدم تبنّي نهج فرض إصلاحات ديمقراطية على أنظمة المنطقة، كما جرى خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن. من دون أن يتعارض ذلك مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستدعم الأنظمة التي ستقرر من تلقاء ذاتها الدفع قُدُماً بإصلاحات، وقد ذُكرَت السعودية ومصر في هذا السياق.
وبحسب الدراسة الإسرائيليّة، حول آلية وكيفية مواجهة التهديد الإيراني، فقد رأت الوثيقة أنّ ذلك يكون ضمن إطار تحالف ينشئ جبهة موحدة وواسعة يمكنها أنْ تخلق توازن قوى إقليميًا ضد إيران وإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، مُشدّدًا على أنّ التحالف يعتمد على التعاون بين دول الخليج مع إسرائيل، وهو الأمر الذي رأى الجنرال في الاحتياط أنّه لم يتحقق حتى اللحظة، مُتوقعًا في الوقت عينه إلّا يتحقق في المُستقبل المنظور.
مهما يكُن من أمر فإنّ التحالف الإستراتيجيّ بين واشنطن وتل أبيب سيستمّر وبوتيرةٍ عاليّةٍ جدًا، ذلك أنّ واشنطن ترى بتل أبيب الحليف الوحيد الذي يُمكن الاعتماد عليه، وتكفي الإشارة في هذه العُجالة إلى أنّ الرئيس السابق باراك أوباما، الذي تعتبره إسرائيل مُعاديًا لها، كان الأكثر كرمًا في دعم إسرائيل عسكريًا، كمًا ونوعًا.