ألغام في الدستور الجديد تهدد بتفاقم أزمة النظام والقضاء

محمد بصل

كشفت المسودة النهائية للدستور الجديد، التي يتم التصويت عليها حاليا، في الجمعية التأسيسية، عن استمرار العديد من المواد الخلافية التي من شأنها تفجير العديد من الأزمات المجتمعية والقضائية والسياسية؛ بسبب عدم التفات الجمعية إلى اعتراضات وملاحظات الجهات المختلفة المختصة بهذه المواد.
وحملت المسودة المادة الخاصة بتفسير مبادئ الشريعة الإسلامية كما هي بنفس الصياغة التي سبق واعترضت عليها الكنيسة، والمادة الرابعة الخاصة بأخذ رأي هيئة كبار العلماء في المسائل الفقهية، والتي سبق واعترض عليها ممثلو التيار المدني.
وفجرت المسودة 5 مفاجآت تسببت في صدمة في الوسط القضائي، أولها تحديد عدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا بأحد عشر عضواً يصدر بتعيينهم قرار من رئيس الجمهورية، وينظم القانون كيفية اختيارهم وترشيحهم من الهيئات والجهات القضائية المختلفة، بدون ذكر نص دستوري انتقالي آخر ينظم التشكيل الحالي للمحكمة وهو المكون من 19 عضواً.
وعرضت «الشروق» نص المادة الجديدة رقم 176 على مصادر قضائية رفيعة المستوى بالمحكمة الدستورية العليا، فأكدوا أن معنى هذا النص بدون ذكر النص الانتقالي يعني إعادة تشكيل المحكمة فور الموافقة على تمرير الدستور؛ لأن النص الانتقالي الذي كان معروضاً من قبل وعارضته المحكمة أيضاً، كان ينص على بقاء الوضع الحالي على ماهو عليه لحين تقاعد 8 من أعضاء المحكمة.
أما المفاجأة الثانية فهي النص في المادة 232 على ذات نص قانون العزل السياسي، الذي قضت المحكمة الدستورية العليا ببطلانه في 14 يونيو الماضي، حيث سيتم بموجبه «حرمان جميع قيادات الحزب الوطني المنحل من أعضاء الأمانة العليا ولجنة السياسات والمكتب السياسي وأعضاء مجلس الشعب والشورى الفائزين في انتخابات 2005 و2010 من حقوقهم السياسية لعشر سنوات قادمة» في سابقة تشريعية هي الأولى من نوعها في تاريخ مصر.
والمفاجأة الثالثة هي النص في المادة 231 على «إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة وفقاً لنظام الثلثين للقائمة والثلث للنظام الفردي، ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح في كل منهما» وهذا يؤكد ما انفردت «الشروق» بنشره في 25 سبتمبر الماضي، حيث استحدثت الجمعية لأول مرة في تاريخ مصر نظاماً يسمح للمستقلين بتكوين قوائم مغلقة للمنافسة في الانتخابات.
أما المفاجأة الرابعة فهي تتعلق بالمادتين 174 الخاصة بمجلس الدولة والمادة 179 الخاصة بهيئة قضايا الدولة، حيث نصت المادة الأولى على أن «عرض التشريعات على قسم التشريع بمجلس الدولة قبل إصدارها ليس إلزامياً بالنسبة للجهات التنفيذية»، على عكس ما اقترح قضاة مجلس الدولة، أما المادة الثانية فقد انتزعت اختصاصاً من الاختصاصات التي كانت مسندة لمجلس الدولة بموجب القانون، وهو تسوية المنازعات الناشئة عن العقود الإدارية وتم إسناده لهيئة قضايا الدولة.
والمفاجأة الخامسة كانت عدم الالتفات إلى الملاحظات على شروط الترشح للمجالس النيابية، حيث نصت المادة على السماح لأي شخص يحمل الجنسية المصرية ويتمتع بمباشرة حقوقه السياسية ويبلغ 25 عاماً بالترشح، وبالتالي فإن هذه الصياغة لا تمنع ترشح مزدوجي الجنسية، بحسب أحكام الإدارية العليا السابقة، بينما أخذت الجمعية بالملاحظة ذاتها بالنسبة لرئيس الجمهورية، ونصت المادة على عدم السماح لأي شخص سبق تمتعه بجنسية أخرى، أخذاً بكلام المستشار طارق البشري من خلال «الشروق» الشهر الماضي.
وتعليقاً على هذه المفاجآت الخمس، عبر الفقيه القانوني المستشار طارق البشري عن «استغرابه وأسفه لما يحدث من تضمين أحكام سبق القضاء بعدم دستوريتها في الدستور، مثل العزل السياسي الذي يجرد أشخاصاً من حقوقهم كمواطنين بدون أحكام قضائية، حيث كان من المقبول أن يوضع هذا النص في فترة انتقالية، وليس في دستور دائم، فأدبيات إنشاء الدساتير لا تجيز هذا إطلاقاً».
كما استنكر البشري النص من جديد على إجراء الانتخابات بالقائمة المغلقة بعدما أبطلت المحكمة الدستورية 3 برلمانات سابقة بسبب القائمة، وبالنسبة للمحكمة الدستورية اعترض على تحديد عددها بقوله: «مش ممكن يحدد عدد أعضاء هيئة قضائية، المفروض أن يحدد العدد حسب حجم العمل وتقدير الجمعية العمومية لها، وتبرير هذا بتحديد عدد أعضاء المحكمة الدستورية في بلدان أخرى كلام غير منطقي لأن حجم التقاضي في مصر مختلف تماماً، وهذه سابقة غير محمودة».
وعن شرح هذه المادة وما إذا كانت تعني إعادة تشكيل المحكمة فوراً، أوضح البشري أن هذا «غير واضح من الصياغة، والدستور بذلك يتضمن نصوصاً وقتية كما لو كان يحكم لفترة انتقالية، وكذلك ليس من المقبول أن يسمح نص شروط الترشح لمجلس النواب بترشح مزدوجي الجنسية أو بتفسيرات مختلفة له، رغم أن المبدأ مستقر منذ عام 2000 في أحكام الإدارية العليا».
وانتقد البشري في موضع آخر عدم النص على وجود ممثلين للعمال والفلاحين في مجلس الشيوخ رغم إلغاء المكتسب الخاص بهم في مجلس النواب وعدم تخصيص نسبة مقاعد لهم، مؤكداً أن هذا إسقاط لحقوق الفئتين في التمثيل السياسي والتعبير عن آمالهم وآلامهم.
ومن جهته أكد المستشار محمد عطية، وزير التنمية المحلية والمجالس النيابية السابق، أن وضع نص قانون العزل السياسي في الدستور مخالف لكل المواثيق الدولية الموقعة عليها مصر بشأن المشاركة السياسية، والتي تحظر حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية إلاّ بموجب حكم قضائي، معتبراً ذلك التفافاً على أحكام ومبادئ الدستورية العليا، منوهاً إلاّ أن هذا الأمر يمكن أن تواجهه المحاكم بعدم تطبيقه والالتفات عنه باعتباره نصاً مخالفاً للمبادئ العامة.
وأضاف عطية أن النص الخاص بعدد أعضاء المحكمة الدستورية سيبقى معلقاً وغير مطبق لحين إصدار قانون تشكيل المحكمة مستنكراً عدم الأخذ برأي جمعيتها العمومية، وكذلك عدم الأخذ برأي مجلس الدولة في إلزام الجهات الإدارية بعرض التشريعات عليه قبل إصدارها حماية لدستوريتها