حقاً باتت معدودة!

رائد عبد المجيد حرب

سنواتٌ سبعٌ عجافٌ مضت دون أن ننسى اللّحظات الأولى لاندلاع الأزمة السورية في خضمّ الكوارث المتنقلة التي عصفت بعددٍ من الأقطار العربية، والتي تفلّتت من عقالها وانتشرت كالوباء من شارعٍ الى شارع، ومن مدينةٍ الى مدينة، ومن قطرٍ إلى قطر...

النار التي أضرمها البوعزيزي في جسده ما لبثت أن تحوّلت الى احتجاجات عارمة عمّت تونس، لتتلقّفها على الفور جحافل الإعلام المسيّس والساعي إلى تنفيذ أجنداتٍ كانت في حينها خفيّةً على السواد الأعظم من أبناء شعبنا العربيّ..

كالنار في الهشيم انتشرت، مستعينةً بذلك الخطاب الغرائزي الممهور بخاتم المشاريع الغربيّة الهادفة إلى قلب المشهد العربيّ، واستثمار تلك اللحظات المبهمة في تنفيذ ما تصبو إليه وما لم تستطع فرضه بأسلوبٍ أو بآخر..

خمسةٌ وعشرون يوماً كانت كفيلةً بالإطاحة بزين العابدين بن عليّ الرئيس التونسيّ الذي حكم البلاد ثلاثةً وعشرين عاماً، ليعقبه سقوط حسني مبارك في ثمانية عشر يوماً بعد حكمٍ دام ثلاثين عاما، وفي الوقت نفسه بدأت الفوضى تعمّ في ليبيا بشكلٍ غير مسبوق، في مشهدٍ سرياليٍّ أربك الجماهير العربيّة التي أمضت سنين طويلةً بعيدةً عن الحياة السياسية ودون أدنى شكل من أشكال الانخراط في سياقها.

لحظات ترقّبٍ عاشها أبناء الشعب السوري، ما بين دعواتٍ تحريضيّةٍ للخروج للتظاهر واللّحاق بركب ما يجري في تونس ومصر وليبيا، إلى توظيفٍ لكافة الوسائل الإعلامية في الدعوة للتحرك، لتجد تلك الفبركات فرصتها عبر ما حُكي عن درعا واندلاع تلك الشرارة التي جرى النفخ فيها حتى أشعلت حريقاً لا نزال نحاول إخماده على مدار السنوات السبع..

انتقالٌ دراماتيكيّ شهدته عدّة مناطق في سوريا لا يتجاوز تعدادها عدد أصابع اليد الواحدة؛ من الهتاف وطلب الإصلاحات، الى الصياح والاستنكار والعويل! ومن ثم المطالبة بوقف العمل بقانون الطوارئ – القانون الذي كان معظم المطالبين بإلغائه لا يدركون ماهيّته ولم يمرّوا على محتواه يوماً – ثم المطالبة بإلغاء المادّة الثامنة من الدستور... وصولاً إلى المطالبة بإسقاط النظام!...

ذلك الانتقال والتسارع في الاحداث، واختلاق تفاصيل دمويّةٍ بشعةٍ، مضى جنباً إلى جنب مع ضخٍّ إعلاميٍّ على أرفع المستويات ومن أهمّ القنوات الفضائية التي استثمرت سنواتٍ طويلةً وأموالاً طائلةً لتترسّخ في ذهنيّة المشاهد وعقل المواطن العربيّ وتكتسب مصداقيةً سعت من خلالها لتمرير السّموم والرسائل الملغومة والأخبار الملفّقة والمعلومات الكاذبة. الهدف الأول كان تعزيز حالة الإرباك والهذيان التي طغت حينذاك، ودفع عامّة الناس إلى الانخراط في تلك الغوغائية، والمشاركة في تعميم الفوضى وحالة الهيجان...

عمّت الفوضى، وانساق الناس وراء عواطفهم وتديّنهم البسيط وغرائزهم، دون أن يكون هناك من يصغي إلى صوت العقل والحق، ودون أن يعوا أن تلك الأصوات أصواتٌ نشازٌ لا تبغي إلا الدمار وتنفيذ الأجندات.

سنواتٌ سبعٌ لم تثمر إلا صراعاتٍ على مدّ النّظر واللّا نظر، ما بين الضباب والدم، ما بين الغيب والعدم، ما بين فتاوى الردّة وثقافة الأقبية، تحوّلت سوريا إلى ساحة حربٍ كونية. عشرات الآلاف من شذّاذ الآفاق تمّ إحضارهم من مختلف أصقاع الدنيا ليشاركوا في سفك الدم السوري وفي تدمير الحضارة والثقافة السوريّة وتعميم الآفات والفوضى والشرّ!. أصدقاء الأمس باتوا ألدّ أعداء اليوم، ومن يسوقون الناس بالعصا إلى المساجد أصبحوا ينظّرون ويطالبون بالديمقراطية لشعب سوريا التي وهبت ستة أباطرةٍ لروما، والتي حكمتها زنوبيا بعد أن قادت عصياناً على الإمبراطورية الرومانية!

كل هؤلاء هم أعجز من أن يفهموا سوريا، وما هي حساسية دورها وموقعها، لتقع هكذا بين براثن أجهزة الاستخبارات الإقليمية، وأجهزة الاستخبارات العربيّة، والدوليّة، وحيث النظر إلى الناس يخلو من أيٍّ من المفاهيم الأخلاقيّة، والدستوريّة، لديناميكيّة المواطَنَةِ ولديناميكيّة الدولة...
ظواهر فرويديةٌ أطلّت علينا في خضمّ هذه الأزمة، معارضةٌ ضدّ المعارضة داخل المعارضة، على أرصفة عواصم العالم وما بين الفنادق وحقائب السفراء وعباءات ولاة الأمر، عددٌ لا متناهٍ من الوجوه التي تبدّلت منذ جنيف وحتى اليوم... لكل دولةٍ فريقها، وداخل كلّ فريقٍ صراعٌ بين الطرابيش... شخصياتٌ خشبيةٌ وأخرى هلاميةٌ أذهلتنا بغبائها وزبائنيتها وارتهانها، ظواهر قبليةٌ، أو ظواهر أيديولوجيّة، مهمّتها تفكيك، أو تفتيت، سوريا ودائماً لمصلحة يهوديّة الدولة...

صحافيٌّ تركيٌّ وجّه سؤالاً لإحدى جوقات "المعارضة" في أحد مقاهي اسطنبول «أنتم لستم موجودين على الأرض، وتنظرون إلى "الثورة" عبر الشاشات أو عبر الصحف، فكيف لكم أن تحكموا سوريا؟. هو سؤالٌ يلخّص واقع تلك المعارضات وأحد أهمّ الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه. حتى روبرت فورد الذي خرق كلّ الأعراف الديبلوماسيّة وساهم في تأجيج تلك الظاهرة، لم يتورّع عن القول "لا ندري ما إذا كنّا نتعامل مع اللصوص أم مع الثوار"!.

الجهل والتخلف وانعدام الوعي هو أزمتنا، الأخلاق هي أزمتنا. في حقيقة الأمر، لم تكن هنالك من وسيلةٍ للتملّص من تلك الحرب الكونيّة، إلا بتغييرٍ بسيطٍ في قواعد اللعبة، والتخلي عن محور المقاومة والقضية الأم (فلسطين)، ولكننا لا نبالغ إذا قلنا بأنّه لو توافرت درجاتٌ عاليةٌ من الوعي الشعبيّ ومستوياتٌ أعلى من الثقافة، لكنّا وفّرنا قدراً لا يُستهان به من فاتورة العدوان...

كلّ معركةٍ شهدها التراب السوريّ كانت تاريخيةً، وما يحدث الآن في الغوطة الشرقيّة هو أمرٌ غير مسبوق، ويعتبر إنجازاً حقيقياً للقيادة السوريّة والحلفاء، مستنداً بما لا يقبل الجدل على إنجازات وصمود الجيش العربيّ السوريّ الأسطوريّ...

اليوم، ناهز عدد المدنيين الذين خرجوا من الغوطة المائة وخمسين ألفاً، ناهيك عن آلاف المسلّحين الذين لم يعوا حتى الآن خطورة الأمر وحقيقة الصراع، فآثروا إكمال ذلك النهج الأرعن والمغادرة إلى إدلب وجرابلس في مشهدٍ يدمي القلب ويعتصر الفؤاد... مهما كانوا أبناءً عاقّين، إلا أنّهم أبناء هذا البلد، جزءٌ من طاقاتٍ لو استطعنا استثمارها على النحو الأمثل لأمكننا النهوض والاستمرار في مسيرة بناء الوطن...

أيام قليلةٌ ويشفى جرح خاصرة العاصمة، وتستعيد ألقها وهيبتها بعيداً عن قذائف الغدر وساعات "الصفر"، لم تنتهي الحرب، ولكنها طوت فصلاً طويلاً في غاية الدمويّة، وانضمت الغوطة لقافلة المدن والبلدات التي استعادت خضرتها وأهلها (من بابا عمرو الى القصير والزبداني وغيرها...).
اليد على الزناد، والعين على كلّ شبرٍ من تراب الجمهورية العربية السورية وصولاً لتحرير الاسكندرون والجولان وفلسطين... وقد آن للياسمين أن ينسى ليلة السكاكين الطويلة...

إنها حقاً عبقرية مدينة اسمها دمشق!!!