القواذف المضادّة للطائرات.. بطل الخطة ب؟

محمد منصور

مثلما شكّل سلاح الجو نقطة قوة بالنسبة إلى عمليات الجيش السوري ضدّ الفصائل المُسلّحة منذ عام 2011 وحتى الآن، شكّلت أيضاً الأسلحة المضادّة للطائرات ومنها القواذف المحمولة على الكتف "MANPAD" تهديداً حقيقياً للنشاط الجوّي السوري على مدار سنوات المعارك. تزايد هذا التهديد مؤخراً بعد وصول شحنات من هذه القواذف إلى الفصائل المُسلّحة في حلب، فهل تلعب هذه القواذف دور البطولة في الخطة الأمريكية البديلة في سوريا أم أن خبرة المعارك ستُجنّب سلاح الجوّ السوري مزيداً من الاستنزاف والخسائر؟

دخل سلاح الجوّ السوري منذ عام 2009 في برنامج لتقييم الحال الفنية للطائرات وتحديد الاحتياجات المُستقبلية من المقاتلات الاعتراضية والقاذفات في ضوء تحسين قدرات التصدّي لوسائط الدفاع الجوّي المُعادية. نتجت من هذا التقييم عدة إجراءات منها توقيع عقد مع روسيا في نفس العام لتحديث الأسطول السوري من قاذفات "SU-24" من المستوي "MK" ذي الأمكانيات المحدودة ، الى المستوي "M2" الذي يتميّز بأجهزة إدارة نيران وتصويب وملاحة متطوّرة وبقدرة على حمل الصواريخ الحديثة مثل "KH-31" و"KH-59" وقنابل "KAB-500"، وقد تم تنفيذ العقد بالكامل. أيضاً تسلم سلاح الجوّ السوري في نفس العام ما مجموعه 32 قاذفة "MIG-23" منها تسع قاذفات من النسخة التدريبية مزدوجة المقاعد "MIG-23UB" و23 قاذفة "MIG-23MLD" ، كانت تخدم سابقاً فى سلاح الجوّ في روسيا البيضاء وتتميّز برادار أطول مدى وإمكانيات جيّدة فى القتال الجوّي لدعم أسطولها من القاذفات الأقدم "MIG-23MF" و"MIG-23BN"، حتى أوائل عام 2011 تمكّن سلاح الجوّ السوري من إعادة تأهيل 15 قاذفة من هذا النوع في منشأة التأهيل والإصلاح في مطار النيرب وأدخلها إلى الخدمة ضمن تشكيلات القاذفات وهي تُعدّ بالإضافة إلى عدد من القاذفات من نوع "MIG23-ML" تمت إعادة تأهيلها في روسيا في الفترة من 2008 وحتى 2010 القوّة الأساسية في عمليات سلاح الجوّ السوري المستمرّة منذ عام 2011 وحتى الآن.
اشتمل أيضاً هذا التقييم على توصية بإخراج ما تبقّى من مقاتلات "MIG-25" سواء النسخة الأستطلاعية "RP" أو المقاتلة "PD" من الخدمة نظراً إلى تكلفة صيانتها العالية وتم تنفيذ هذه التوصية على مراحل إلا أنه تم الاحتفاظ بطائرتين من النسخة التدريبية "PU" فى حالة عاملة. شمل هذا التقييم مقاتلات الصف الأوّل في سلاح الجوّ السوري "MIG-29" التى يمتلك منها ما بين 60 إلى 70 مقاتلة من النسخة التصديرية "B"، حيث تم توقيع اتفاق مع روسيا عام 2010 لبدء تطوير بعض هذه المقاتلات إلى المعيار "SMT" وقد تم إنهاء تطوير عدد محدود من المقاتلات السورية بهذا المعيار الذي يتميّز بمدى تحليق أكبر وتجهيزات متطوّرة لقمرة القيادة وأمكانيات اكبر للهجوم الأرضى. كما وقعت سوريا عامي 2012 و 2013 عدة اتفاقات مع روسيا لشراء ما بين سرب إلى سربين من مقاتلات "MIG-29M2" المتطوّرة تم إنتاج مقاتلتين منهما بالفعل في روسيا وحوالى 36 طائرة تدريب متقدم من نوع "YAK-130"، لكن لم يتم تنفيذ هذه الاتفاقات حتى الآن بسبب تطورات الأوضاع في سوريا.

لم يكتمل تنفيذ بنود هذا التقييم الشامل بسبب بدء المعارك إلا أنه في مطلع 2011 وبفضل عمليات التحديث كان قسم مهم من مقاتلات وقاذفات سلاح الجوّ السوري قد تزوّد بإجراءات مضادّة للصواريخ الحرارية، أضيف إلى هذه العمليات عمليات تحديث أخرى تمت بأيدٍ سورية في منشأة التأهيل والإصلاح في مطار النيرب وفيها تم تزويد القاذفات السورية "MIG-23ML" و"SU-22M3" ومقاتلات "MIG-21BIS" بأجهزة إطلاق شعلات التضليل الحرارية المضادّة للصواريخ الكتفية. أيضاً تلقّت المروحيات متعدّدة المهام "MI-17" تحديثاً محلياً تم فيه زيادة دروع قمرة القيادة وإضافة أجهزة بث للشعلات التضليلية. على الرغم من هذه الإجراءات إلا أن قسماً من طائرات ومروحيات سلاح الجوّ السوري مثل مروحيات "MI-8" وطائرات التدريب المتقدّم "L-39" ومقاتلات "MIG21-MF" وقاذفات "MIG-23MF" ظل من دون حماية حقيقية من الصواريخ الكتفية وقد شكّلت هذه الطائرات القسم الأكبر مما تم إسقاطه خلال سنوات الحرب الماضية.

الحرب وعمليات الإسقاط

على الرغم من كون الإسقاط الأول لطائرات سلاح الجوّ السوري في أغسطس/آب 2012 قد تم بمدفع مضادّ للطائرات من عيار 14.5 بوصة أصاب مقاتلة سورية من نوع "MIG-21BIS"، إلا أن القواذف الكتفية المضادّة للطائرات تصدّرت بعد ذلك عمليات الإسقاط منذ استيلاء الفصائل المسلّحة على كميات كبيرة منها من مستودعات الجيش السوري في حلب في نوفمبر/تشرين ثاني 2012 وهو نفس الشهر الذي شهد الإسقاط الأول لطائرة سورية باستخدام قاذف محمول على الكتف. شملت الأنواع التي تم الاستيلاء عليها القواذف الروسية "IGLA-1E" و"STRELA-2" و"IGLA-S" بجانب القاذف الكوري الشمالي "HT-16PGI". استخدمت الفصائل المسلّحة القاذفين "IGLA-1E" و"STRELA-2" ضدّ سلاح الجوّ السوري بشكل مكثّف خلال عامي 2013 و2014 خصوصاً بعد وصول شحنة من قواذف "STRELA-2" إليها خلال عام 2013 أُرسلت من ليبيا عبر الحدود التركية بتمويل من قطر، إلا أن هذا الاستخدام تناقصت وتيرته منذ منتصف عام 2014 نظرا إلىً الحال العملياتية المتردّية للقواذف الموجودة في حوزة الفصائل المسلّحة وافتقار أغلبها لبطاريّات تشغيل صالحة للعمل ما دفع بعض الفصائل إلى تصنيع بطاريّات محلية تسمح بتشغيل القواذف لفترات أطول.
في فبراير/شباط 2013 سلّمت قطر إلى الفصائل المسلّحة بالاتفاق مع السودان شحنة كبيرة من القواذف صينية الصنع "FN-6" التي يمتلكها السودان منذ عام 2007 وتتميّز بمدى أقصى أكبر من المدى المتوفّر للقواذف الروسية الموجودة في حوزة الفصائل المسلّحة، حيث يبلغ مداه الأقصى 6كم بارتفاع يصل إلى 4كم وسرعة قصوى تبلغ 600 متر في الثانية مقابل مدى أقصى يبلغ 3700 متر لارتفاع يصل إلى 1500 متر وسرعة تبلغ 430 متراً في الثانية لقاذف "STRELA-2"، ومدى أقصى يبلغ 5كم لارتفاع 3.5 كم وسرعة تبلغ 570 متراً في الثانية لقاذف "IGLA-1E"، واستخدم هذا القاذف بشكل أساسي خلال عام 2014.

شهد عام 2015 بشكل عام انخفاضاً ملحوظاً في استخدام القواذف الكتفية المضادّة للطائرات ، لكن تصاعد استخدام هذه القواذف بشكل تدريجى منذ سبتمبر من نفس العام حيث أسقط في هذا الشهر وفي شهر نوفمبر قاذفتين من نوع "SU-22" و "MIG-23"، شهد عام 2016 حتى الآن ثلاثة حوادث تعرّضت لها طائرات سورية خلال 40 يوماً كان أولها في شهر مارس/آذار، وفيه أسقطت مقاتلة "MIG-21BIS" في أجواء ريف حماه الشمالي بقاذف محمول على الكتف، ثم في شهر أبريل/نيسان أسقطت بنفس الطريقة قاذفة "SU-22M4" في أجواء غرب حلب وفي نفس الشهر سقطت مقاتلة "MIG-23ML" نتيجة لخلل في محرّكها في أجواء ريف دمشق الشرقي. هذه الحوادث كانت مؤشراً على وصول إمدادت جديدة من القواذف الكتفية إلى الفصائل المسلّحة تتميّز عن القواذف السابقة بقدرتها على مقاومة الإجراءات المضادّة للصواريخ الحرارية ،لأن الطائرتين اللتين تم إسقاطهما خلال هذا العام كانتا من الأنواع المزوّدة بأجهزة نفث الشعلات التضليلية المضادّة للصواريخ حرارية التوجيه.

بفحص عدد من الصور التي تم نشرها خلال الشهرين الماضيين تبين أن المجموعات المسلّحة تلقّت في هذه الفترة كميات من القواذف الكتفية منها القاذف الروسي "STRELA-2" الذي وصلت أعداد منه إلى ريف حلب الشمالي، أيضا تم رصد وصول كميات إضافية من القاذف الصيني "FN-6" إلى حمص وأدلب. كان التطور الأبرز في هذا الإطار هو تسجيل الظهور الأوّل للقاذف الباكستاني الصنع "ANZA-MK2" في ريف حلب الشمالي أواخر مارس/آذار الماضي. هذا القاذف كان من ضمن الأسلحة المحتمل وصولها إلى الفصائل المسلّحة المرتبطة بالسعودية عام 2014 في إطار شحنات الأسلحة شرقية الصنع التي تحدّثنا عنها في مقال سابق، لكن لم يتم تسجيل أي ظهور له سوى هذا العام. يشكّل هذا القاذف خطورة مهمّة على سلاح الجوّ السوري نظراً إلى مقاومته الإجراءات المضادّة للصواريخ الحرارية، ويبلغ ارتفاع تحليقه الأقصى 4كم ويصل مداه إلى 5كم بسرعة تبلغ 600 متر في الثانية.

تمكّن سلاح الجوّ السوري خلال عام 2015 باستخدامه للقاذفات الأحدث لديه وتراكم الخبرات لدى فنييه وطياريه من تقليص خسائره من الطائرات والتى نتجت من أسباب عديدة أهمها كثافة وسائط الدفاع الجوّي المتوفّرة لدى الفصائل المسلّحة، واعتماد سلاح الجوّ السوري منذ عام 2012 وحتى أوائل 2014 على الطائرات الأقدم لديه وطائرات التدريب المتقدّم لتنفيذ الطلعات القتالية لتفادي الاستنزاف الفني للأنواع الأحدث لديه. تمكّن سلاح الجوّ السوري أيضاً من الحفاظ على معدل طلعات يبلغ فى المتوسط مائة طلعة يومياً نصفها على الأقل قتالي. عودة تصاعد خطر القواذف الكتفية ربما يُثبت عدم التوفيق في قرار وقف الهجوم في ريف حلب الشمالي نظراً لأن بوابة وصول الأسلحة والعتاد العسكري إلى الفصائل المسلّحة هي الحدود التركية. تصاعد هذا الخطر يشكّل أيضاً التحدّي الأكبر أمام الطيارين السوريين، مدى قدرتهم على التعامل مع هذا التهديد ربما تكون هي مربط الفرس في تحديد مصير مرحلة أخرى من مراحل الخطة "ب" الأمريكية التي تشمل أبطالاً آخرين مثل "قوات سوريا الديمقراطية" و"جيش سوريا الجديد" وأسلحة مثل قواذف "TOW" المضادّة للدروع وأسلحة أخرى ربما تظهر في الشهور القادمة.